بسم الله الرحمن الرحيم
هنا جمع لأقوال فقهاء المذهب المالكي في حكم كشف وجه الحرة أمام الأجانب، وحكم نظر الرجل إلى وجه الحرة الأجنبية.
والهدف من هذه المبحث هو جمع أقوال المالكية في موضع واحد، وهي كثيرة ومتشعبة، ولذلك يوجد نسخة مختصرة من هذا الموضوع على الرابط التالي اقتصرت على إيراد الشاهد من كلام كل فقيه، مع تقسيمهم في مجموعات حسب أقوالهم.
١ - الإمام مالك (ت١٧٩هـ)
قال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج٥ ص٢١٩١: (باب: فيما يحل ويحرم من الزوجة على زوجها قبل أن يراجعها. قال الشيخ: والزوجة في ذلك على ثلاثة أوجه، فيجوز أن يرى وجهها، قال مالك: لا بأس بذلك، وقد يرى غيره وجهها).
وقال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج٥ ص٢١٩١ في المطلقة الرجعية: (والزوجة في ذلك على ثلاثة أوجه، فيجوز أن يرى وجهها، قال مالك: "لا بأس بذلك، وقد يرى غيره وجهها"، يريد: على غير وجه التلذذ .. وقال مالك في كتاب محمد: "أما شعرها وما لا يجوز لغيره أن ينظر إليه فلا يجوز له أن ينظر إليه حتى يراجعها").
وقال الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني ج١ ص٣٤٣: ("ومع أجنبي غير الوجه والكفين"، [قال] ابن عرفة: الحرة عورة، [وقال] الباجي: "ودلالها وقصتها إلا وجهها ويديها، ولأبي عمر وقيل قدميها" اهـ منه بلفظه، وقول ز [الزرقاني]: "فله رؤيتهما ولو بلا عذر"، اقتصر على هذا لما أفاده كلام ابن محرز من أنه متفق عليه، وظاهر كلام الشيخ أبي محمد في رسالته أنه لا يجوز إلا لعذر، والجواز هو ظاهر كلام الإمام في الموطأ، انظر ق [المواق] و ح [الحطاب الرعيني]).
وقال المواق في التاج والإكليل ج٢ ص١٨١: (وقال ابن محرز: "وجه المرأة عند مالك وغيره من العلماء ليس بعورة").قال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج١ ص٤٩٩ نقلا عن القلشاني: (وقع في كلام ابن محرز في أحكام الرجعة ما يقتضي أن النظر لوجه الأجنبية لغير لذة جائز بغير ستر"، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقا، لأن الأجنبي ينظر إليه").
وقال أبو القاسم بن سراج في فتاويه (١٨٣): (ومذهب مالك رضي الله عنه: جواز كشف المرأة وجهها ويديها لأجنبي لكن على الوجه المذكور، وفي كتاب الظهار من المدونة: جواز نظر الأجنبي إلى وجه المرأة).
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ج٧ ص٣٧: (قال القاضي إسماعيل: "وهو الظاهر، لأن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها لا يراه الغرباء إلا وجهها وكفيها، فدل أنه مما يجوز للغرباء أن يروه، وهو قول مالك"، قالوا: "والمراد بالزينة: مواضع الزينة"، وقيل: "المراد: الثياب"، ولا خلاف أن فرض ستر عورة الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منذ نزل الحجاب).
وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ج٣ ص٣١: (وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط).
وقال ابن القطان في إحكام النظر في أحكام النظر ص٣٨٩: (ويمكن أن يقال: إن مذهب مالك منها هو أنه لا يجوز للرجل النظر إلى وجه الأجنبية إلا من ضرورة، وإلى هذا ذهب ابن رشد ونص عليه في المقدمات، وسنورد كلامه في باب تصرف الأجنبي للمرأة في حوائجها في باب الضرورات إن شاء الله تعالى، فإنه شرح الرواية في ذلك، وعلى هذا -وقد تقدم التنبيه على مواضع- تفهم أن مذهب مالك خلاف هذا، من جواز النظر إلى وجهها في باب ما تبديه أو لا تبديه عند الكلام على الزينة).
وقال التتائي في تنوير المقالة ج٢ ص٥٨٥: (والمرأة تموت في السفر لا نساء معها، ظاهره مسلمات أو غيرهن، ولا معها ذو محرم من الرجال ولا زوج ولا سيد، بل رجال أجانب مأمونون سافرت معهم أو مات محرمها الذي سافرت معه، فلييمم رجل منهم وجهها وكفيها فقط، لا ذراعيها، إذ لا يجوز كشفهما ولا لمسهما لأنهما عورة كبقية جسدها، والنظر لهما محرم، وإذا لزم من فعل السنة حرام لم يجز فعلها، وهذا مذهب مالك)، وهذه نصوص واضحة عن بعض المالكية في نسبة القول بجواز كشف وجه المرأة إلى الإمام مالك.
وقال أبو سعيد البراذعي في اختصار المدونة ج٢ ص٢٦٦: (١٥٥٩ - ومن تظاهر من زوجته فلا يطأها حتى يكفّر، ويجب عليها أن تمنعه من نفسها، فإن خشيت منه على نفسها رفعت ذلك إلى الإمام ومنعه الإمام من وطئها إن خاصمته، ويؤدبه إن رأى ذلك، ولا يقبّل ولا يباشر ولا يلمس ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفّر، وجائز أن ينظر إلى وجهها، وقد ينظر غيره إليه، وجائز أن يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن إذا كان يؤمن ناحيته) ، وهذا نصٌ ظاهر غايةً في الوضوح في جواز كشف وجه المرأة وجواز النظر إليه.
قال أبو سعيد البراذعي في اختصار المدونة ج١ ص٥٩٧-٥٩٩: (٩٣٦ - وأكره للمرحم دخول الحمام .. وجائز أن يبدل ثوبه الذي أحرم فيه أو يبيعه. ٩٤٠ - وأكره أن يدخِل منكبيه في القباء .. ٩٤١ - وجائز أن يطرح قميصه على ظهره يرتدي به من غير أن يدخل فيه، وجائز أن يحبي، ولا يزرر الطيلسان على نفسه ولا يخلل عليه كساء، وجائز أن يتوشح بثوبه ما لم يعقد ذلك .. ٩٤٢ - وجائز للمحرمة وغير المحرمة لباس الخز والحرير والعصب والحلي والسراويل والخف .. ٩٤٣ - ويكره للمحرم لبس الجوربين، فإذا لم يجد نعلين ووجد خفين قطعهما من أسفل الكعبين ولا شيء عليه .. ٩٤٤ - وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، والذقن هما فيه سواء، ولا بأس بتغطيته لهما .. ووسّع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، وإن لم ترد سترا فلا تسدل، قال ابن القاسم: "وما علمت أن مالكا كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أن تجافيه عن وجهها، ولا علمت أنه كان ينهاها عن أن يصيب الرداء وجهها إذا أسدلته، فإن رفعته من أسفل وجهها افتدت لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل).
وقال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج٤ ص٤٢٠: (ومن المدونة: قال مالك: "وإحرام المرأة في وجهها ويديها، والذقن هما فيه سواء، لا بأس بتغطيته لهما")، وهذا نص آخر عن الإمام مالك في عدم وجوب تغطية الوجه، فذكر أن المحظور هو تغطية الوجه، ثم وسع للمرأة أن تستتر دون أن يوجب ذلك عليها، والذي يؤكد عدم الوجوب أنه – في نفس السياق – وسّع للرجل وللمرأة تغطية الذقن.
وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ج٣ ص٣١: (وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط).
وقال ابن عبدالبر في الكافي ج٢ ص٥١٩: (ومن أراد نكاح امرأة فليس له عند مالك أن ينظر إليها ولا يتأمل محاسنها، وقد روي عنه أنه ينظر إليها وعليها ثيابها، ومن أباح من العلماء النظر إليها عند خطبتها فإنه يبيح أن ينظر منها إلى وجهها وكفيها لأن ذلك ليس عليها ستره في صلاتها)، فالإمام مالك يرى أن الخطبة لا تبيح النظر إلى العورة، ولذلك قصر إباحة النظر فيها إلى ما ليس بعورة منها والذي يبدو منها عادة).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٧ ص٢٥٢: (وقوله: "وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك" يقتضي أنّ نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح، لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها، وقد اختلف الناس في ذلك، والأصل فيه قول الله تبارك وتعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قال عبدالله بن مسعود: "الزينة زينتان زينة ظاهرة وهي الثياب، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، وهي الكحل والسوار والخاتم"، وقال النخعي: "ما ظهر منها ما فوق الدرع"، وروى سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الوجه والكفان"، وبه قال عطاء، وذكر ابن بكير أنه قول مالك وغيره)، فالوجه والكفان عند الإمام مالك من الزينة الظاهرة التي تُكشف وتُرى عند أمن الفتنة.
وقال ابن عرفة في المختصر الفقهي ج٤ ص٢٩١: (وللمطلّق أن يرتجع بغير علم المطلقة، ووليها وسيدها إن كانت أمة، وفي عدتها قال مالك: "من طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة لا يتلذذ منها بنظرة أو غيرها، ولا يأكل معها، ولا يرى شعرها، ولا يخلو معها، وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها")، وهذا نص ظاهر مفصل، فالإمام مالك يمنع من رؤية الشعر مطلقا، أما وجهها فيمنع النظر إليه بلذة.
وأي نص يرد عن الإمام مالك بخلاف ذلك فالمقصود فيه النظر بلذة، ولذلك كره الإمام مالك النظر إلى صدر الأمة مع جواز كشفه والنظر إليه، قال ابن القطان في إحكام النظر في أحكام النظر ص٤٠٣: (فإن كانت هذه الأجنبية مسلمة أمة، هل هي في جواز النظر إليها وامتناعه مثل الحرة أم لا ؟ اختلف في ذلك .. وروي عن مالك من كراهة خروجهن متجردات ما قد ذكرنا جميعه)، بل كره نظر المشتري إلى الأمة عند الشراء، فقال المازري في شرح التلقين ج١ ص٤٧١ عن النظر إلى الأمة: (ولمالك في كتاب ابن حبيب كراهة نظر المشترى عند التقليب لصدرها ومعصمها)، والذي يؤكد ذلك كله أن عورة الصلاة عند الإمام مالك أعلى من عورة الستر والنظر، فأمر الأمة بستر جميع جسدها في الصلاة، ولما جاز كشف الوجه في الصلاة جاز في خارجها، قال القباب الفاسي في شرح الإعلام بحدود قواعد الإسلام ص٤١١: (وأما الأمة فقال مالك في المدونة: "إنها لا تصلي إلا بثوب يستر جميع جسدها وتصلي بغير قناع"، فجعلها أخفض رتبة من الحرة التي لا تصلي إلا بقناع).
٢ - عبدالرحمن بن القاسم العتقي (ت١٩١هـ)
قال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج٢ ص٦٠٨: (ومن المدونة: قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك أنه قال: إذا صلت المرأة متنقبة بشيء أنها لا تعيد، وذلك رأيي، والتلثم مثله")، وهذا النص في غاية الوضوح في أن نساء المدينة لم يكنّ يغطين وجوههن أثناء حضورهن لصلاة الجماعة مع الرجال بمشهد منهم، ولو كنّ يتنقّبن أو يتلثّمن لما احتاج ابن القاسم لهذا البلاغ، ومثل ذلك يقال عن ما رواه أبو سعيد البراذعي في اختصار المدونة ج١ ص٥٩٩ إذ قال: (٩٤٤ – وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها .. ووسّع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، وإن لم ترد سترا فلا تسدل، قال ابن القاسم: "وما علمت أن مالكا كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أن تجافيه عن وجهها")، فجعلها بالخيار في أن تستر أو ألا تستر، وعدم سترها لوجهها يقتضي نظر الأجانب له.
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج٤ ص١٨٧: (وسئل ابن القاسم عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر ؛ هل يحل للرجل أن ينظر إلى شعورهن ؟ فقال: "لا يحل لمسلم أن ينظر إلى شعورهن ولا إلى شيء من عوراتهن"، فقيل له: أليس هن بمنزلة الإماء ؟ قال: "لا، بل هن حرائر، لأن دية من قتل من قُتل منهن خمسمائة، ومن أسلم منهن كان حرا، فهن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار)، فالسؤال كان النظر إلى الشعر لأن جواز النظر إلى الوجه متقرر.
وقال الرجراجي في مناهج التحصيل ج٤ ص١٧٩ في المطلقة الرجعية: (والثاني أنه يجوز له الدخول عندها والأكل معها إذا كان من يتحفظ بها، ولا يتلذذ منها بشيء ولا بنظرة، ولا يقربها ولا ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء من محاسنها، ولا ينظر إلى وجهها إلا كما ينظر إليه الأجنبي، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة حيث قال: "ليس له أن يتلذذ منها بشيء وإن كان يريد مراجعتها حتى يراجعها").
٣ - ابن عبدالحكم (ت٢١٤هـ)
قال ابن عبدالحكم في المختصر الصغير ص٤١٥: (ولا تخلو المرأة مع رجل ليس بذي محرم منها، ولا بأس أن تأكل مع من يعرف لها الأكل معه بالوجه الذي يعرف من الرجال)، وتجويز الأكل يقتضي تجويز النظر إلى الوجه واليد.
وقال ابن عبدالحكم في المختصر الصغير ص٢٠٨: (ولا تنتقب المرأة في الإحرام، ولا تتبرقع ولا تلبس القفازين، قال الشافعي: تلبس المرأة المحرمة القفازين، وليس إحرامها إلا في وجهها فقط .. قال عبدالله: ولا بأس أن تلبس السراويل والخفين، ولا بأس أن تسدل المرأة على وجهها، ولا تكتحل المحرمة).
وقال أبو بكر الأبهري في شرحه لكتاب الجامع لابن عبدالحكم ص١٢٤: (١٠٩ – قال [ابن عبدالحكم]: "وسئل مالك عن النظر إلى شعور النصارى [من النساء]، وهو ضرورتنا ولا نجد منهن بدا ؟ فقال: ما يعجبني ذلك")، فسألوه عن النظر إلى شعورهن، ولم يسألوه عن وجوههن لأن الجواز متقرر عندهم.
٤ - أصبغ بن الفرج (ت٢٢٥هـ)
قال ابن أبي زيد في النوادر والزيادات ج١ ص٢٠٧: (قال ابن حبيب: قال أصبغ: "يستر الأمة في الصلاة ما يستر الرجل .. والستر موضوع عن الأمة، موضوع عن الرجال، فلذلك لم يؤمر به في الصلاة، وأم الولد لها عقد قوي من الحرية فأُمرت بالستر")، قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج١ ص٢٥١: (وجه قول أصبغ أن ما لا يكون منها عورة خارج الصلاة فإنه لا يكون منها عورة في الصلاة، كالوجه واليدين).
قال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج١٣ ص٨٠٩ في النظر إلى الجواري: (ومن كتاب ابن المواز: "قال مالك: وله أن ينظر إلى كفيها، وكره إلى معصميها وساقيها، وليخبر عنها كما يخبر عن الحرة، وكره مسه بعضدها"، قال أصبغ: "وصدرها، ولا ينظر إلا إلى وجهها وكفيها وقدمها وشعرها وما ظهر من نحرها لغير لذة")، وهذا نص ظاهر في أن النظر لمن هي محل الشهوة لا يقتضي أن يكون بشهوة، وأن النظر بغير شهوة لما هو ليس بعورة مباح.
٥ - ابن بكير (ت٢٣١هـ)
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ص٣٦٧: (وروى سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الوجه والكفان"، وبه قال عطاء، وذكر ابن بكير أنه قول مالك وغيره)، وهذا التفسير يشير إلى تجويز كشف الوجه واليدين، ولكني لم أقف له على رأي في مسألة النظر إليهما.
٦ - عبدالملك بن حبيب (ت٢٣٨هـ)
قال ابن أبي زيد في النوادر والزيادات ج١ ص٢٠٥: (في لباس المرأة الحرة والأمة في الصلاة. من الواضحة [لابن حبيب] قال: "وتصلي المرأة الحرة في الدرع الخصيف يستر ظهور قدميها في الركوع والسجود، وخمار يستر كتفيها وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور الوجه والكفين .. ولا يبدو منها لغير ذوي محرم غير ما يبدو في الصلاة، ولا تلبس الخمار الخفيف في صلاة حتى يكون تحته لفافة للشعر، ولا تلبس الثوب الخفيف الذي يشف ولا الرقيق الصفيق الذي يصف ما تحته في الصلاة، ولا في خروجها ودخول من يدخل عليها، فأما زوجها في سترها فذلك جائز")، وهذا نص ظاهر في إباحة كشف الوجه.
وقال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج٢ ص٦٠٨: (ومن المدونة: قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك أنه قال: إذا صلت المرأة متنقبة بشيء أنها لا تعيد، وذلك رأيي، والتلثم مثله"، وقال ابن حبيب: "ولا ينبغي أن تصلي متلثمة أو متنقبة، فإن فعلت أخطأت ولم تعد، وقاله ابن القاسم").
وقال المازري في شرح التلقين ج١ ص٤٧١ عن النظر إلى الأمة: (ولمالك في كتاب ابن حبيب كراهة نظر المشترى عند التقليب لصدرها ومعصمها)، وإذا كان النظر إلى صدر الأمة المرادة للوطء لا يتجاوز حكم الكراهة فإن النظر إلى وجه الأجنبية بغير شهوة سيدور بين الإباحة والكراهة دون تحريم.
٧ - ابن المواز (ت٢٦٩هـ)
قال ابن القطان في إحكام النظر في أحكام النظر ص٤١٨ في نظر العبد إلى سيدته: (وروى عن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا أن تضع المرأة ثوبها عند مملوكها، وكان يكره أن يرى شعرها، وأما مالك فالرواية عنه مقيدة، وعلى ما ذكره ابن المواز عنه، قال: "والعبد الفحل يرى من شعر سيدته دون غيرها إذا كان لا منظر له")، وقوله: "يرى من شعر سيدته دون غيرها" يقتضي أنه يرى وجوه الأجنبيات كما يرى وجه سيدته، أما سيدته فيرى منها الوجه والشعر أيضا، ولو لم يكن يرى وجوه الأجنبيات لقال ابن المواز: "يرى من وجه وشعر سيدته دون غيرها".
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج٢ ص٤٩٣ تعليقا على قول ابن الحاجب: " ويحرم على المرأة ستر وجهها بنقاب وشبهه وكفيها، ولو سترته بثوب مسدول من فوق رأسها من غير ربط ولا إبرة ونحوها جاز، قال: (وما علمت رأيه في تجافيه أو إصابته" .. قوله: "ولو سترته .. إلخ" يريد بشرط أن تقصد الستر، قال في المدونة: "والمحرمة إذا غطت وجهها مثل الرجل، ووسع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن لم ترد سترا فلا تسدل .. وقوله في المدونة: "إذا أرادت سترا" احترازا مما لو فعلته لحر أو برد، فإن فيه الفدية، نص عليه في الموازية وغيرها).
٨ - إسماعيل بن إسحاق القاضي (ت٢٨٢هـ)
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٧ ص٢٥٢: (وقال عبدالله بن عباس: "لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته"، وقال القاضي أبو إسحاق [إسماعيل بن إسحاق]: "يجوز أن يرى العبد من سيدته ما يراه ذو المحارم كالأب والأخ" .. واستدل القاضي أبو إسحاق في ذلك من جهة المعنى بأن هذا لا يحل له أن يتزوجها فجاز له النظر إلى شعرها كذوي المحارم .. وروى سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الوجه والكفان"، وبه قال عطاء، وذكر ابن بكير أنه قول مالك وغيره، وقال القاضي [إسماعيل بن إسحاق] أبو إسحاق: "والظاهر والله أعلم يدل على أنه الوجه والكفان، لأن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها إلا وجهها وكفيها، وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للغرباء أن يروه من المرأة")، وهذا نص صريح بجواز الكشف وجواز النظر.
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ج٧ ص٣٧: (قال القاضي إسماعيل: "وهو الظاهر، لأن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها لا يراه الغرباء إلا وجهها وكفيها، فدل أنه مما يجوز للغرباء أن يروه، وهو قول مالك"، قالوا: "والمراد بالزينة: مواضع الزينة"، وقيل: "المراد: الثياب"، ولا خلاف أن فرض ستر عورة الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منذ نزل الحجاب).
٩ - أبو بكر بن الجهم (ت٣٢٩هـ)
قال المازري في شرح التلقين ج١ ص٤٧١: (والجواب عن السؤال الثالث أن يقال النساء على قسمين: حرة وأمة، فأما الحرة فكلها عندنا عورة إلا الوجه والكفين لأن الله سبحانه قال: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قيل: "المراد بما ظهر منها: الكحل والخاتم"، قال ابن الجهم: "لأن بها ضرورة إلى إبداء هذين العضوين للمعاملات والأخذ والعطاء فدعت الضرورة إلى استثناء هذين العضوين، لأن المرأة يباح لها لبس الخفين في الإحرام فلو كان ساقها ليس بعورة ما جاز أن تستره كما لا تستر وجهها في الإحرام")، وهذا نص واضح في إباحة كشف وجه المرأة، ولكن لم أقف له على قول في حكم النظر إليه.
١٠ - ابن القرطي محمد بن القاسم بن شعبان (ت٣٥٥هـ)
قال ابن القرطي محمد بن القاسم بن شعبان في الزاهي (مخطوط ترقيم آلي ١١٠) في باب لباس الحرائر في آخر الكتاب عن آية الزينة: (وفي "مَا ظَهَرَ مِنْهَا" اختلاف يكثر، وأصحه عندي: اللباس)، وتفسيره للزينة الظاهرة بأنها اللباس يشير إلى نفيها عن الوجه والكفين مما يوجب سترهما.
وقال محمد ميارة في الدر الثمين ص٥٥٦: (وقال ابن شعبان: "ينبغي أن لا يشهد لشابة أو عليها إلا من يبلغ ستين سنة من الشهود")، والنهي عن نظر الشاب في حال الضرورة يشير إلى تأكيد النهي في غيرها.
١١ - أبو سعيد البراذعي التهذيب (ت٣٧٢هـ)
قال أبو سعيد البراذعي في التهذيب في اختصار المدونة ج١ ص٥٩٩: (وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، والذقن هما فيه سواء، لا بأس بتغطيته لهما، وإن غطى المحرم رأسه ووجهه ناسيا أو جاهلا: فإن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه حتى انتفع به افتدى، وكذلك المحرمة إن غطت وجهها مثل الرجل، ووسّع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، وإن لم ترد سترا فلا تسدل. قال ابن القاسم: "وما علمت أن مالكا كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أن تجافيه عن وجهها، ولا علمت أنه كان ينهاها عن أن يصيب الرداء وجهها إذا أسدلته، فإن رفعته من أسفل وجهها افتدت لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل"، ويُكره لها أن تتبرقع وإن جافته عن وجهها، أو تلبس القفازين)، فالمسألة لم تتوقف على الإباحة بل تعدتها إلى كراهة التبرقع حتى وإن جافته.
وقال أبو سعيد البراذعي في التهذيب في اختصار المدونة ج٢ ص٢٦٦: (ومن تظاهر من زوجته فلا يطؤها حتى يكفر، ويجب عليها أن تمنعه من نفسها، فإن خشيت منه على نفسها رفعت ذلك إلى الإمام ومنعه الإمام من وطئها إن خاصمته، ويؤدبه إن رأى ذلك، ولا يقبّل ولا يباشر ولا يلمس ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفر، وجائز أن ينظر إلى وجهها، وقد ينظر غيره إليه، وجائز أن يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن إذا كان يؤمن ناحيته )، وهذا نص صريح في إباحة كشف الوجه والنظر إليه.
١٢ - أبو بكر الأبهري (ت٣٧٥هـ)
قال أبو بكر الأبهري في شرحه لكتاب الجامع لابن عبدالحكم ص١٢٤: (١٠٩ – قال [ابن عبدالحكم]: "وسئل مالك عن النظر إلى شعور النصارى [من النساء]، وهو ضرورتنا ولا نجد منهن بدا ؟ فقال: ما يعجبني ذلك")، ثم شرحه بقوله: (إنما كره ذلك لأنه لا يجوز لأحد أن ينظر إلى شعر امرأة حرة لا يحل له فرجها، ويكون محرما لها، ولأنه لا يأمن أيضا الفتنة على نفسه بالنظر إليها)، وتخصيص السياق بالنظر إلى الشعر يشير إلى عدم الحرج في النظر إلى الوجه، والذي هو يشير إلى عدم الحرج في كشفه.
وقال أبو بكر الأبهري في شرحه لكتاب الجامع لابن عبدالحكم ص٧٦: (٥٥ – قال ابن وهب: سئل مالك عن المرأة لها العبد نصفه [حر أيرى] شعرها ؟ فقال: لا، فقيل له: لو كان لها كله أيرى شعرها ؟ قال: أما العبد الوغد من العبيد فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان عبدا فارها فلا أرى ذلك. قال مالك: والستر أحب إلي)، ثم شرحه بقوله: (إنما قال ذلك لأنه إذا كان بعضه حرا فقد حدث فيه من حرمة الحرية شيء، فيكره لها أن يرى شعرها، فأما إذا كان لها كله وكان وغدا فلا بأس أن يرى شعرها، لأنه لا يحل له أن يتزوج بها وهو عبد لها، فصار بمنزلة المحرم لها في هذه الحال، فأما إذا كان عبدا له حسن وجمال ؛ كُره ذلك لها من غير تحريم، خوف الفتنة عليها وعليه بنظره إلى محاسنها).
١٣ - ابن الجلاب (ت٣٧٨هـ)
قال ابن الجلاب في التفريع ج١ ص٩٠: (والمرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها، وعليها أن تستر في الصلاة سائر جسدها ولا تبدي منه شيئا إلا الوجه واليدين .. والذي يستر عورة المرأة في الصلاة: الدرع والخمار الصفيقان اللذان يستران رأسها وجسدها ورجليها، فإن صلت الحرة مكشوفة الرأس أعادت في الوقت استحبابا، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليها، وأطرافها بخلاف جسدها بدلالة جواز النظر إلى الأطراف من ذوات المحارم ومنعه من سائر الجسد)، وحديثه عن النظر إلى ذوات المحارم يشير إلى أن عورة الصلاة للمرأة هي عورة الستر.
وقال ابن الجلاب في التفريع ج١ ص٢٠٠: (فصل في إحرام المرأة. وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، ولا تنتقب ولا تتبرقع، ولا تلبس القفازين، ولا بأس أن تلبس الثياب: القميص، والخمار، والسراويل، والخفين ولا بأس أن تسدل ثوبها على وجهها ليسترها عن غيرها، وتسبله من فوق رأسها، ولا ترفعه من تحت ذقنها، ولا تشد على راسها، ولا تغرزه بإبرة وما أشبهها).
وقال ابن الجلاب في التفريع ج٢ ص٤١٢: (ولا بأس أن تأكل المرأة مع عبدها إذا كان وغدا، ومع خادمها إذا كان مأمونا. فصل فيما يحل للمرء أن ينظر إليه من ذوات المحارم. ولا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة أبيه وابنه، وأم امرأته وربيبته، وهي في ذلك بمنزلة ذوات المحارم مثل أمه وخالته وابنته وأخته، ولا بأس أن ينظر إلى شعورهن ولا ينظر إلى أجسادهن). قال ابن مرزوق في فتوى له نقلها الونشريسي في المعيار المعرب ج١ ص٣٠٦ إلى ص٣١٢:(وكذا قول ابن الجلاب: "ولا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة أبيه" إلخ ما ذكر من المحارم، فإن فيه دليلا على أنه لا يجوز النظر إلى وجه غير من ذكر منهن).
١٤ - ابن أبي زيد (ت٣٨٦هـ)
قال ابن أبي زيد في النوادر والزيادات ج١ ص٢٠٥: (في لباس المرأة الحرة والأمة في الصلاة. من الواضحة [لابن حبيب] قال: "وتصلي المرأة الحرة في الدرع الخصيف يستر ظهور قدميها في الركوع والسجود، وخمار يستر كتفيها وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور الوجه والكفين"، وكل ما غطت به رأسها فهو خمار، ولو كان تحت القميص مئزر فهو أبلغ، وإلا فيجزئها، ولا يبدو منها لغير ذوي محرم غير ما يبدو في الصلاة، ولا تلبس الخمار الخفيف في صلاة، حتى يكون تحته لفافة للشعر، ولا تلبس الثوب الخفيف الذي يشف، ولا الرقيق الصفيق الذي يصف ما تحته في الصلاة، ولا في خروجها ودخول من يدخل عليها، فأما مع زوجها في سترها فذلك جائز. قال الثوري: "أمثل ثيابها إذا خرجت: ما يستر ولا يشهر"). إلى أن قال في ص٢٠٧: (قال ابن حبيب: قال أصبغ: يستر الأمة في الصلاة ما يستر الرجل .. والستر موضوع عن الأمة، موضوع عند الرجال، فلذلك لم يؤمر به في الصلاة، وأم الولد لها عقد قوي من الحرية فأُمرت بالستر)، وهذا نص صريح في اتحاد عورة الصلاة والستر.
وقال ابن أبي زيد في الرسالة ص١٥٠: (وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظر إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه، وقد أرخص في ذلك للخطاب)، قال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب الرباني ج٢ ص٤١١ تعليقا على هذا القول: (المذهب أنه يجوز النظر للشابة أي لوجهها وكفيها لغير عذر بغير قصد التلذذ حيث لم يخش منها الفتنة، وما ذكره الشيخ ليس هو المذهب، قاله عج [رمز علي الأجهوري]).
وقال ابن أبي زيد في الرسالة ص١٥٨: (ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك، أو إذا خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال)، وهذا النص يشير إلى تحريم النظر للشابة.
١٥ - ابن خويزمنداد (ت٣٩٠هـ)
قال أبو عبدالله القرطبي في تفسير آية الزينة في سورة النور في ج١٥ ص٢١٣: (وقد قال ابن خويزمنداد من علمائنا: "إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها").
وقال أبو حيان في البحر المحيط ج٦ ص٤١٢ في تفسير آية النور: (وقال ابن خويز منداد: "إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك").
١٦ - ابن القصار (ت٣٩٧هـ)
قال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج٤ ص١٧٠٥: (قال مالك: "لا يجزئه أن يكسوها في كفارة اليمين إلا ما تحل لها فيه الصلاة: الدرع والخمار" . قال ابن القصار: "لأنها عورة، ولا يجوز أن يظهر منها في الصلاة إلا وجهها وكفاها").
١٧ - أبو بكر الباقلاني (ت٤٠٢هـ)
قال ابن القطان في إحكام النظر في أحكام النظر ص٣٨٩: (ومذهب القاضي أبي بكر بن الطيب [هو الباقلاني]: تحريم النظر إلى وجه المرأة إلا من ضرورة خطبة)، وهذا نص صريح في تحريم النظر، ولكن لم أقف له على رأي في حكم كشف الوجه.
١٨ - القاضي عبدالوهاب (ت٤٢٢هـ)
قال القاضي عبدالوهاب في المعونة ص٢٢٩ في شروط الصلاة: (فصل: عورة الحرة. الحرة جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، فيجب عليها ستر جميعه إلا قدر ما ذكرناه، والدليل عليه قوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قيل: الوجه والكفان، وروي أن أم سلمة سألت النبي عليه الصلاة والسلام: "أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار"؟ قال: "إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها"، وهو في الموطأ موقوف على أم سلمة، وروي نحوه عن عائشة رضي الله عنها. فصل عورة الرجل. وأما عورة الرجل فمن سرته إلى ركبته، ومن أصحابنا من يقول هو من فوق العانة إلى الركبة، والفخذان من العورة خلافا لمن قال إن العورة السوأتان فقط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زوج أحدكم عبده فلا ينظر ما بين سرته إلى ركبتيه"، وفي بعض الطرق: "فإن ما بين السرة إلى الركبة عورة"، وقوله لعلي رضي الله عنه: "لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت"، وفي حديث عبدالله بن جرهد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "غط فخذك فإن الفخذ عورة". فصل: عورة الأمة. فأما الأمة فعورتها مثل عورة الرجل، بدليل جواز تقليبها عند الشراء ورؤية شعرها وذراعيها، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب الإماء إذا لبسن الإزار، ويقول: "لا تتشبهن بالحرائر"، وقال لابنه: "ألم أخبر أن جاريتك خرجت في الإزار تشبهت بالحرائر ولو لقيتها لأوجعتها ضربا").
وقال القاضي عبدالوهاب في المعونة ص١٧٢٦: (يجوز النظر إلى المتجالة، ويكره إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج أو غير ذلك، لأن الشابة لا تؤمن الفتنة بها والتلذذ بالنظر إليها، والمتجالة قد زال منها هذا المعنى .. ويجوز النظر إلى الشابة عند الخطبة لإباحته صلى الله عليه وسلم ذلك، وقوله: "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، ولا يجوز أن يطلع منها على محرم لأن ذلك لا يجوز إلا بالعقد المبيح له. فصل ٦٣ – أكل المرأة مع عبدها أو خادمها: ويجوز أن تأكل المرأة مع الوغد من عبيدها الذي يؤمن منه التلذذ بها وأن يرى شعرها، ولا يجوز ذلك مع الشاب الذي ربما حدثته نفسه بمحرم منها، أو المرغوب فيه لنظافته)، وهذا نص صريح بإباحة كشف الوجه وكراهة النظر إليه دون حاجة بلا تحريم.
وقال القاضي عبدالوهاب في الإشراف على نكت مسائل الخلاف ج١ ص٢٦٢: (مسألة: وجميع بدن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها خلافا لمن قال لا يجوز لها كشف الوجه واليدين وهو أحمد بن حنبل، لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قيل: الوجه والكفان، ولأن كشف ذلك يلزمها في الإحرام، فلو كان عورة لم يجز لها كشفه كباقي بدنها).
وقال القاضي عبدالوهاب في عيون المسائل ص٥٠٢: (والذي يجزئ من الكسوة في الكفارة ما يستر عورة المصلي، فالرجل يستره القميص، والمرأة الحرة قميص ومقنعة ؛ لأنها كلها عورة ولا ينكشف منها في الصلاة إلا وجهها وكفاها).
وقال القاضي عبدالوهاب في المعونة ص٥٢٧: (وأما المحرمة فيجوز لها لبس ذلك كله لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس القفازين والنقاب، وقال: "لتلبس بعد ذلك ما أحبت" من قميص أو سراويل أو خفين، لأن ما عدا الوجه والكفين من جسدها عورة، وليس عليها كشف عورتها بل لا يجوز ذلك لها).
وقال القاضي عبدالوهاب في شرح الرسالة ج١ ص٩٥: (والأصل في هذا أنه لا يجوز لأجنبية أن تمس بدن أجنبي، وكذلك الرجل لا يجوز له أن يمس بدن امرأة أجنبية منه، وإذا كان كذلك وجب إذا مات من ليست معه إلا امرأة أجنبية أو ليس معها إلا أجنبي أن يقتصر من غسلها على التيمم، وإنما جاز ذلك لأن النظر إلى الوجه والكفين مباح، وما سوى هذا من المرأة عورة لا يجوز للأجنبي أن ينظر إليه ولا أن يلمسه، والمرأة تيمم الأجنبي إلى المرفقين؛ لأن هذا الموضع ليس بعورة منه)، وهذا نص صريح واضح في إباحة الكشف والنظر.
[إضافة لاحقة] مكي بن أبي طالب (ت٤٣٧هـ)
قال مكي بن أبي طالب في تفسيره (الهداية إلى بلوغ النهاية) في تفسير آية الزينة : (ثم قال : "إِلّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" ، قال ابن معسود : "هي زينة الثياب" ، وكذلك قال النخعي والحسن ، وقال ابن عباس : "هو الكحل والخاتم" ، وقال ابن جبير : "هو الوجه والكف" ، وقال عطاء : "الكفان والوجه" ، وقال قتادة : "الكحل ، والسوار ، والخاتم" ، وعن ابن عباس أنه قال : "الزينة الظاهرة : الوجه ، وكحل العين ، وخضاب الكف ، والخاتم" ، قال : "فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس" ، وقالت عائشة : "هو القلب والفتخة" ، يعني السوار والخاتم ، وقيل : الفتخة : حلق من فضة تجعلها النساء في أصابعهن ، وقول من قال : "هو الوجه والكفان" أحسنها ، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها ، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قرب النصف ، فالكحل والخاتم والخضاب والبنان داخل تحت هذا ، فإذا كان لها ذلك مباحا في الصلاة عُلم أنه ليس بعورة ، وإذا لم يكن عورة جاز لها إظهاره ، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره ، فيكون هذا مما استثناه الله جل ذكره).
١٩ - ابن بطال (ت٤٤٩هـ)
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري ج٩ ص١١: (وفيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهن فرضا في كل حال كلزومه لأزواج النبي، ولو لزم جميع النساء فرضا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل عن وجهها، بل كان يأمره بصرف بصره ويعلمه أن ذلك فرضه، فصرف وجهه صلى الله عليه وسلم وقت خوف الفتن وتركه قبل ذلك الوقت، وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوي محارمهن سنة، لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ويراه منها الغرباء، وأن قوله: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" على الفرض في غير الوجه)، وهذا نص صريح في إباحة كشف الوجه وإباحة النظر إليه.
٢٠ - أبو القاسم بن محرز (ت٤٥٠هـ)
قال المواق في التاج والإكليل ج٢ ص١٨١: (ومع أجنبي غير الوجه والكفين، في الموطأ: "هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم، أو مع غلامها ؟ قال مالك: لا بأس بذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله"، ابن القطان: "فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي؛ إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا، وقد أبقاه الباجي على ظاهره"، وقال ابن محرز: "وجه المرأة عند مالك وغيره من العلماء ليس بعورة").
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج١ ص٤٩٩: (وأما الرجل فإنه لا يجوز له النظر إلى وجه المرأة للذة، وأما لغير اللذة فقال القلشاني عند قول الرسالة "ولا بأس أن يراها إلخ": "وقع في كلام ابن محرز في أحكام الرجعة ما يقتضي أن النظر لوجه الأجنبية لغير لذة جائز بغير ستر"، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقا، لأن الأجنبي ينظر إليه").
وقال زروق في شرحه على الرسالة ج٢ ص١٠٥٤: (وقال ابن محرز: يجوز النظر إلى الأجنبية من غير ضرورة إن لم يقصد اللذة، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها جائز اتفاقا")، فالمسألة ليست إباحةً للكشف والنظر فحسب ؛ بل نقلا للاتفاق عليه.
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج١ ص٤٩٩: (وأما الرجل فإنه لا يجوز له النظر إلى وجه المرأة للذة، وأما لغير اللذة فقال القلشاني عند قول الرسالة "ولا بأس أن يراها إلخ": "وقع في كلام ابن محرز في أحكام الرجعة ما يقتضي أن النظر لوجه الأجنبية لغير لذة جائز بغير ستر، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقا، لأن الأجنبي ينظر إليه).
وقال الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني ج١ ص٣٤٣ تعليقا على قول الزرقاني "ومع أجنبي غير الوجه والكفين، [قال] ابن عرفة: الحرة عورة، [وقال] الباجي: ودلالها وقصتها إلا وجهها ويديها، ولأبي عمر وقيل قدميها" اهـ منه بلفظه: (وقول ز [الزرقاني]: "فله رؤيتهما ولو بلا عذر"، اقتصر على هذا لما أفاده كلام ابن محرز من أنه متفق عليه، وظاهر كلام الشيخ أبي محمد في رسالته أنه لا يجوز إلا لعذر، والجواز هو ظاهر كلام الإمام في الموطأ، انظر ق و ح، قال "ومع أجنبي إلخ"، قول ز: "فله رؤيتهما ولو بلا عذر إلخ"، هذا هو ظاهر الموطأ، وكلام ابن محرز يفيد أنه متفق عليه، وظاهر الرسالة أنه لا يجوز إلا لعذر انظر ق و ح).
وقال محمد كنّون في حاشيته على شرح الزرقاني (مطبوعة مع حاشية الرهوني) ج١ ص٣٤٣: ("ومع أجنبي إلخ" قول ز [الزرقاني]: "فله رؤيتهما ولو بلا عذر إلخ" هذا هو ظاهر الموطأ، وكلام ابن محرز يفيد أنه متفق عليه، وظاهر الرسالة أنه لا يجوز إلا لعذر).
وقال المواق في التاج والإكليل ج٢ ص١٨١: (وقال ابن محرز: "وجه المرأة عند مالك وغيره من العلماء ليس بعورة").
وقال زروق في شرحه على الرسالة ج٢ ص١٠٥٢: (وقال ابن محرز: يجوز النظر إلى الأجنبية من غير ضرورة إن لم يقصد اللذة، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها جائز اتفاقا").
٢١ - ابن يونس الصقلي (ت٤٥١هـ)
قال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج٢ ص٦٠٨: (ومن المدونة: قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك أنه قال: إذا صلت المرأة متنقبة بشيء أنها لا تعيد، وذلك رأيي، والتلثم مثله"، وقال ابن حبيب: "ولا ينبغي أن تصلي متلثمة أو متنقبة، فإن فعلت أخطأت ولم تعد، وقاله ابن القاسم")، ثم قال في ج٢ ص٦١١: (فصل - في عورة المرأة والرجل. قال أبو محمد عبدالوهاب [في المعونة]: "وجميع بدن الحرة عورة، إلا الوجه والكفين؛ لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، وأما عورة الرجل فمن سرته إلى ركبته، وقيل من فوق العانة إلى الركبة"، خلافا لمن قال العورة السوأتان فقط، دليلنا قوله عليه السلام: إن الفخذ عورة، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه"، قال [عبدالوهاب]: "وكذلك عورة الأمة مثل عورة الرجل لجواز تقليبها عند الشراء، ورؤية شعرها وذراعيها، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضرب الإماء إذا لبس الأزر، ويقول لا تتشبهن بالحرائر").
وقال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج٤ ص٤٢٠: (ومن المدونة: قال مالك: "وإحرام المرأة في وجهها ويديها، والذقن هما فيه سواء، لا بأس بتغطيته لهما"، قال غيره [هو عبدالوهاب كما في المعونة]: "والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إحرام المرأة في وجهها" ونهيه عن لبس النقاب في الإحرام، فإذا ثبت ذلك لم يجز لها تغطية وجهها إلا أن يكون هناك جمال يخاف فيه الفتنة فيجوز لها أن تسدل عليه بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها، وأما اليدان فيلزمها كشفهما إلى الكوعين خلافا لأبي حنيفة، لنهيه عليه السلام عن لبس القفازين، ولأنه عضو ليس بعورة، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في التغطية، أصله في الوجه").
وقال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة ج١٠ ص٧٧٨ في من ظاهر من زوجته: (ومن المدونة: قال مالك: "وجائز أن ينظر إلى وجهها، وقد ينظر غيره إليه").
٢٢ - ابن عبدالبر (ت٤٦٣هـ)
قال ابن عبدالبر في التمهيد ج٦ ص٣٦٥: (وعن أبي بكر بن عبدالرحمن، قال: "كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها"، قال أبو عمر: قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به، وأجمعوا على أنها لا تصلي متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة، وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة، وقد روي نحو قول أبي بكر بن عبدالرحمن عن أحمد بن حنبل).
وقال ابن عبدالبر في الكافي ج١ ص٢٣٨: (ولا يجوز لأحد أن يصلي عريانا .. وأقل ما يجزئ المرأة الحرة ما يواريها كلها إلا وجهها وكفيها وإحرامها في ذلك في حجها وعمرتها، وما سوى ذلك فهو عورة، وعورة الأمة كعورة الرجل إلا أنه يكره النظر إلى ما تحت ثيابها لغير سيدها).
وقال ابن عبدالبر في الكافي ج١ ص٣٨٨ في باب الحج: (والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير القفازين والبرقع والنقاب، ولا تغطي وجهها، وإحرامها في وجهها وكفيها، ولا بأس بسدل ثوبها على وجهها لتستره من غيرها، ولتسدله من فوق رأسها ولا ترفعه من تحت ذقنها ولا تشده على رأسها بإبرة ولا غيرها، ولا يحلق المحرم رأسه ولا رأس غيره من محرم أو حلال، ولا يقتل دواب جسده ولا يطرحها عن نفسه، فإن طرح قملة عن ثوبه أو جسده أطعم قبضة من طعام، ولا يطلي ولا يقلم أظفاره فإن فعل شيئا مما ذكر في هذا الباب افتدى).
وقال ابن عبدالبر في الكافي ج٢ ص٥٤١: (وكل من نظر إلى جارية فأبصر منها غير وجهها وكفيها مثل أن ينظر إلى شعرها أو صدرها أو ساقها أو شيء من محاسنها تلذذا حرمت بذلك على أبيه وابنه وحرمت عند مالك عليه أمها وابنتها).
وقال ابن عبدالبر في الكافي ج٢ ص٥١٩: (ومن أراد نكاح امرأة فليس له عند مالك أن ينظر إليها ولا يتأمل محاسنها، وقد روي عنه أنه ينظر إليها وعليها ثيابها، ومن أباح من العلماء النظر إليها عند خطبتها فإنه يبيح أن ينظر منها إلى وجهها وكفيها لأن ذلك ليس عليها ستره في صلاتها).
وقال ابن عبدالبر في الاستذكار ج٤ ص١٤: (وأجمعوا أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجل إليها، ولم يجوز لها تغطية رأسها وهي محرمة إلا ما ذكرنا عن أسماء، ولم يجوز لها تغطية رأسها وهي محرمة إلا ما ذكرنا عن أسماء، روى مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر قالت: "كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق"، قال أبو عمر: يحتمل هذا أن يكون كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن محرمون، فإذا مر بنا راكب سدلنا الثوب من قبل رؤوسنا، وإذا جاوزنا رفعناه"، قال أبو عمر: قد روي عن النبي عليه السلام أنه نهى المرأة الحرام عن النقاب والقفازين .. وعلى كراهة النقاب للمرأة: جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، لم يختلفوا في كراهة التبرقع والنقاب للمرأة المحرمة، إلا شيء روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وروي عن عائشة أنها قالت: "تغطي المرأة المحرمة وجهها إن شاءت"، وروي عنها أنها لا تفعل، وعليه الناس).
٢٣ - الباجي (ت٤٧٤هـ)
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج١ ص٩ في شرح حديث "النساء متلفعات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس": (وقوله: "ما يُعرفن من الغلس" يحتمل أمرين: أحدهما: لا يُعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس، إنما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة، قال ذلك الراوي، ويحتمل أيضا أن يريد: لا يُعرفن من هن من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن، ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهن أمنّ أن تُدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٢ ص٢: (والدليل على ما ذهب إليه مالك أن ما لم يكن عورة من الحي فليس بعورة من الميت، كالوجه).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٢ ص٢٦٧ عن حديث الخثعمية: (فجاءته امرأة تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، يحتمل أن تكون قد سدلت على وجهها ثوبا، فإن المحرمة يجوز لها ذلك لمعنى الستر، إلا أنه كان يبدو من وجهها ما ينظر إليه الفضل. فصل. وقوله: "فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر" يريد بذلك منعه من النظر إليها لما رأى من قصده إلى ذلك، ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إلى الفضل، ولا صرف وجهها إلى الشق الآخر، وإن كانت المرأة ممنوعة من النظر إلى الرجل بمعنى تأمل محاسنه والنظر إلى جماله، وقد قال تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوْجَهُمْ"، وقال تعالى: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوْجَهُنَّ"، ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم ترك ذلك لما احتمل نظرها إلى جهته أنه لم يكن إلا لسؤالها عن مسألتها، إذ كانت من النبي صلى الله عليه وسلم في جهة يتضمنها نظرها، فكان نظرها إلى تلك الجهة مقصدا جائزا فترك الإنكار عليها لذلك، والفضل لم يكن لنظره إلى جهتها مقصد جائز ظاهر غير تأملها، ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم اجتزأ بصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، لأن ذلك يمنع نظر المرأة إلى شيء من وجه الفضل، فكان في ذلك منعا للفضل من النظر إليها ومنعا لها من النظر إليه، ويحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتزأ بمنع الفضل من النظر إليها لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه، لأن حكمها في ذلك حكمه، ولعلها لما صرف وجه الفضل فهمت ذلك فصرفت وجهها أو بصرها عن النظر إليه).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٤ ص٣٨ في المظاهر: (فإذا قلنا: إنه ينظر الوجه واليدين، فإن معنى ذلك أن ينظر لغير وجه الاستمتاع، يبيّن ذلك ما في المدونة، قيل لمالك: "أينظر إلى وجهها" ؟ قال: "نعم، وغيره أيضا قد ينظر إلى وجهها").
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٤ ص١٠٥ عن حديث: "أفعمياوان أنتما": (ويحتمل أن يكون ذلك للضرورة مع كونه ممنوعا مع عدمها، ويحتمل أن يكون ذلك لأن الرجل له عورة مخصوصة، فإذا سترها لم يحرم النظر إليه، وجميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، فإذا كشفت بعض ذلك ولم يكن ثم من ينظر إليها جاز لها ذلك، ولم يجز في موضع يكون فيه من ينظر إليها، لأنه ناظر إلى عورة منها، والوجه والكفان وإن قلنا: ليسا بعورة منها ؛ فإنه لا يجوز لأجنبي النظر إليهما إلا على وجه مخصوص، فحكم المنع متعلق بها، والإباحة مختصة بها في حكم الأجنبي، فذلك منها كجميع جسد الرجل خلا ما يوصف بالعورة منه على وجه الغليظ والتخفيف، فيجوز للمرأة أن تنظر إليه على وجه ما، وأما قوله تعالى: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوْجَهُنَّ" فيحتمل أن يريد به غض أبصارهن عن العورات، ويحتمل أن يريد به غض أبصارهن عن النظر على وجه مخصوص من الالتذاذ بالنظر إلى الأجنبي، والله أعلم)، وهذا نص صريح في إباحة كشف الوجه والنظر إليه دون شهوة.
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٤ ص١٩٣:، (وإن كان مما لا يطلع عليه الرجال كالعيوب تكون في جسد المرأة .. فإن كان في جسدها فقد اختلف فيه .. ووجه قول سحنون أن الجسد وإن كان عورة ؛ فهي عورة مخففة، فجاز أن ينظر إليها الرجال للضرورة كما ينظرون إلى وجهها للضرورة).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٦ ص١٨٥: (مسألة: وأما الرجل يريد شراء الأمة فإنه يجوز أن ينظر إلى وجهها ويديها، وهل له أن ينظر إلى بدنها ؟ روي عن علي أنه لا بأس أن ينظر إلى ساقيها وعجزها وبطنها، وقال: "لا حرمة لها"، وروي عن ابن عمر أنه كان يضع يده بين ثدييها، وروي عن الشعبي: "ينظر إلى جميعها إلا الفرج"، وفي المدونة عن مالك ما يدل على هذا القول).
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج٧ ص٢٥٢: (وقوله: "وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك" يقتضي أنّ نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح، لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها، وقد اختلف الناس في ذلك، والأصل فيه قول الله تبارك وتعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قال عبدالله بن مسعود: "الزينة زينتان زينة ظاهرة وهي الثياب، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، وهي الكحل والسوار والخاتم"، وقال النخعي: "ما ظهر منها ما فوق الدرع"، وروى سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الوجه والكفان"، وبه قال عطاء، وذكر ابن بكير أنه قول مالك وغيره، وقال القاضي [إسماعيل بن إسحاق] أبو إسحاق: "والظاهر والله أعلم يدل على أنه الوجه والكفان، لأن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها إلا وجهها وكفيها، وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للقربى [كذا والصواب أنه يجوز "للغرباء" كما نقله ابن بطال] أن يروه من المرأة، والله أعلم وأحكم"، قال الشيخ أبو بكر الأبهري: "إنما قال مالك رحمه الله أن تأكل المرأة مع من تأمن الفتنة في الأكل معها، قال الله تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وعندي أن ذلك يقتضي أن يغض عن بعض المرئيات وهي التي لا يحل له أن ينظر إليها").
٢٤ - أبو الحسن اللخمي (ت٤٧٨هـ)
قال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج٥ ص٢١٩١ في المطلقة الرجعية: (باب: فيما يحل ويحرم من الزوجة على زوجها قبل أن يراجعها. قال الشيخ: والزوجة في ذلك على ثلاثة أوجه، فيجوز أن يرى وجهها، قال مالك: لا بأس بذلك، وقد يرى غيره وجهها، يريد: على غير وجه التلذذ، ولا يجوز أن يراها متجردة، ولا خلاف في ذلك، واختلف هل يرى شعرها أو يخلو معها أو يأكل ؟ فقال مالك مرة: لا بأس بذلك إذا كان معها من يتحفظ بها، ثم رجع عن ذلك فقال: لا يدخل عليها ولا يرى شعرها ولا يأكل معها حتى يراجعها، وقال ابن القاسم: "وليس له أن يتلذذ منها بشيء، وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها"، قال: "وهذا على الذي أخبرتك أنه كره له أن يخلو معها أو يرى شعرها حتى يراجعها"، فرأ أن له في أحد القولين أن يتلذذ بالنظر وإن لم يرتجع، وقال مالك في كتاب محمد: "أما شعرها وما لا يجوز لغيره أن ينظر إليه فلا يجوز له أن ينظر إليه حتى يراجعها"، ويختلف على هذا، هل يجوز له أن ينظر إلى معصميها أو ساقيها ؟ ولا بأس أن ينظر إلى كعبها، وأرى ألا يجوز له النظر إلى شيء من ذلك، وقد حرمت عليه بالطلاق حتى يراجع).
وقال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج١ ص٣٧٠ عن صلاة المرأة: (ولا تتنقب ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد، وتسدل على وجهها إذا صلت في جماعة مع رجال بحيث خشيت أن يروها)، وهذا على سبيل التخيير لا الإيجاب.
وقال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج٣ ص١٢٨٩: (قال مالك: "ولا بأس أن يبدل المحرم ثيابه وأن يبيعها"، واختلف في تغطية الرجل وجهه، وفي القفازين للمرأة وفي الخاتم للرجل وفي السوارين وتقلد السيف وشد المنطقة اختيارا وما شابه ذلك كالعصائب، فمنع تغطية الوجه في المدونة، وقال: "إن فعل فعليه الفدية"، وقال أبو مصعب وأبو الحسن ابن القصار وأبو محمد عبدالوهاب: "لا شيء عليه"، والأول أحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي وقصت به راحلته: "لا تخمروا وجهه" ذكره مسلم، ولأن المرأة أحق بالستر، فقد أُمِرت ألا تستر وجهها، ويلزم على القول أن ليس ذلك على الرجل أن يكون لها أن تستر وجهها).
وقال أبو الحسن اللخمي في التبصرة ج٤ ص١٧٠٥: (فيُكسى الرجل ثوبا تاما يستر جميع جسده، والمرأة ثوبا وخمارا، قال مالك: "لا يجزئه أن يكسوها في كفارة اليمين إلا ما تحل لها فيه الصلاة؛ الدرع والخمار". قال ابن القصار: "لأنها عورة"، ولا يجوز أن يظهر منها في الصلاة إلا وجهها وكفاها، فخالف بين الكسوة والإطعام، وليس عليه أن يجعل الكسوة مثل كسوة المكفر وأهله، ولا مثل كسوة أهل البلد، بخلاف الإطعام وإن كسا صبيا كسوة مثله والصبية كسوة مثلها أجزأه، فإن كانت لم تؤمر بالصلاة لم يعطها خمارا، ويستحب أن يكسو فوق ذلك السن).
٢٥ – محمد بن خلف بن سعيد بن وهب الأندلسي المريي ابن المرابط (ت٤٨٥هـ)
قال الآبي في شرح صحيح مسلم عن حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم ج٣ ص٣٥١ (ط دار الكتب العلمية) والقاضي عياض في شرح صحيح مسلم ج٤ ص٢٨٣: (قال ابن المرابط: "الاستتار للنساء سنة والحجاب على أزواجه صلى الله عليه وسلم فرض").
٢٦ - ابن رشد الجد (ت٥٢٠هـ)
قال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ص٣٩٧: (قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إن النحر مما يلزم المرأة أن تستره في الصلاة، وإنه موضع الخمار، يدل على ذلك قول الله عز وجل: " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ" النور، وقال تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" النور، والذي ظهر منها عند أهل العلم بالتأويل هو الوجه والكفان، فلا يجوز أن يبدو منها في الصلاة إلا ذلك).
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج٤ ص١٣: (وسئل عن المرأة المحرمة تغطي وجهها ؟ فقال: "إن كانت تغطيه من حر أو من شيء فلا، وإن كانت رأت رجالا فغطت وجهها تريد بذلك الستر فلا أرى بذلك بأسا، وأرجو أن يكون خفيفا. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، فإن غطت لغير الستر فعليها الفدية لإن إحرام المرأة في وجهها).
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج٤ ص١٨٧: (وسئل ابن القاسم عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر ؛ هل يحل للرجل أن ينظر إلى شعورهن ؟ فقال: "لا يحل لمسلم أن ينظر إلى شعورهن ولا إلى شيء من عوراتهن"، فقيل له: أليس هنا بمنزلة الإماء ؟ قال: "لا، بل هن حرائر، لأن دية من قتل من قُتل منهن خمسمائة، ومن أسلم منهن كان حرا، فهن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار).
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج١٨ ص٣١٠ في النظر إلى نساء أهل الذمة: (قال: وسألته عن النظر إلى شعور مصر افتتحت عنوة ؟ فقال: "ما يعجبني ذلك"، قال محمد بن رشد: النظر إلى شعور أهل الذمة الأحرار الصالحين المستأمنين لا يجوز، فقوله: "لا يعجبني" معناه أنه لا يعجبني أن يستخف ذلك للضرورة التي ذكرت من أنه لا يوجد بد من اتخاذهن اضطرارا، فلما قال له ما ذكر من أن مصر فتحت عنوة لم يعجبه أن يستخف ذلك أيضا فيهن).
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج٤ ص٢٨٧: (وسئل مالك عن الخصيان: أيدخلون على النساء ويرون شعورهن ؟ فقال: "أما الأحرار فلا، وأما العبيد فلا أرى به بأسا: كان لها أو لزوجها أو لغيره إذا كان وغدا"، وكرهه إذا كان له منظر)، فهذه الأسئلة مخصوصة بحكم النظر إلى الشعر لأن جواز النظر إلى الوجه متقرر.
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج٤ ص٣٠٥ في النظر إلى المخطوبة: (وأما نظر الرجل إلى وجه المرأة بإذنها دون أن يغتفلها إذا أراد نكاحها فأجازه مالك، كما يجوز له النظر إلى وجهها في الشهادة لها وعليها، ومن أهل العلم من لم يجز ذلك له، واحتج بما روي من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"، قال: فلما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة الثانية لكونها باختيار الناظر بخلاف الأولى التي كانت فجأة بغير اختياره ؛ دل أنه لا يجوز لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن يكون بينه وبينها من النكاح أو الحرمة ما يبيح له ذلك، وقول مالك هو الصواب، لأنه إنما حرم من النظر إلى وجه المرأة ما كان لغير معنى يبيحه من نكاح أو شهادة، وأما استغفاله النظر إليها فإنما كرهه مالك مخافة أن يرى منها بعض عورتها، ومن أجاز ذلك للأحاديث المروية فيه فإنما يجيزه إذا أمن ذلك، وبالله التوفيق).
وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل ج١٨ ص٤٠١: (وسئل مالك: أيرى العبد شعر سيدته وقدميها وكفيها ؟ فقال: "أما الغلام الوغد فلا بأس بذلك، وأما الغلام الذي له هيئة فلا أحبه"، قيل: أفيرى ذلك غلام زوجها منه ؟ فكأنه كرهه. قال محمد بن رشد: أجاز للعبد الوغد أن يرى شعر سيدته، وكره ذلك إذا كان منظر، ولم يحرمه، لقول الله عز وجل: "أَوْ مَا مَلَكَتْ َأْيَمانُكُمْ" ).
وقال ابن رشد الجد في المقدمات الممهدات ج١ ص١٨٣: (فصل: فيما يجب على المرأة من الستر في الصلاة. قال الله عز وجل: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ" النور الآية، وقال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ" الأحزاب، فلما أمرت المرأة الحرة بالستر من الأجنبيين، وأن لا تبدي عند غير ذي المحرم منها من زينتها إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وهو الوجه والكفان على ما قاله أهل العلم بالتأويل، وجب عليها مثل ذلك في الصلاة سنة واجبة لا ينبغي لها تركها، فأقل ما يجزئها من اللباس في الصلاة الخمار والدرع السابغ الذي يستر ظهور قدميها على ما قالته أم سلمة رضي الله عنها للتي سألتها عما تصلي فيه المرأة من الثياب، ولا يجوز لها أن تصلي في ثوب خفيف يصف جسدها، ولا في ثوب صفيق رقيق يلتطئ بها فيصف خلقها ؛ لأنها إذا فعلت ذلك كانت كاسية في حكم العارية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام"، فإن فعلت ذلك أو صلت بادية الشعر أو الصدر أو الذراعين أو القدمين أعادت في الوقت، وأما الأمة فحكمها فيما يجوز لها أن تصلي فيه من الثياب حكم الرجل، إلا في وجوب ستر فخذها، إذ لا اختلاف في أن الفخذ من المرأة عورة).
وقال ابن رشد الجد في المقدمات الممهدات ج٣ ص٤٦٠: (ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة المتجالة، لقول الله عز وجل: "وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ"، ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج أو عند إرادة نكاحها، لإباحة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقوله: "فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" .. ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها، لقوله عز وجل: " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، إلا أن يكون له منظرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن منه ذلك).
وقال ابن رشد الجد في المقدمات الممهدات ج٤ ص٤٢٧: (قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال إنه جائز للرجل أن يقوم للمرأة الأجنبية في حوائجها ويناولها الحاجة إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها، لقول الله عز وجل: " وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" النور، وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل، فجائز للرجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة، فإن اضطر إلى الدخول عليها أدخل معه غيره ليبعد سوء الظن عن نفسه، فقد روي أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقيا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صفية زوجته رضي الله عنها فقال لهما: "إنها صفية" فقالا: "سبحان الله يا رسول الله"، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما فتهلكا"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم).
٢٧ - المازري (ت٥٣٦هـ)
قال المازري في شرح التلقين ج١ ص٤٧١: (والجواب عن السؤال الثالث أن يقال النساء على قسمين: حرة وأمة، فأما الحرة فكلها عندنا عورة إلا الوجه والكفين لأن الله سبحانه قال: " وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قيل: "المراد بما ظهر منها الكحل والخاتم"، قال ابن الجهم: "لأن بها ضرورة إلى إبداء هذين العضوين للمعاملات والأخذ والعطاء فدعت الضرورة إلى استثناء هذين العضوين لأن المرأة يباح لها لبس الخفين في الإحرام فلو كان ساقها ليس بعورة ما جاز أن تستره كما لا تستر وجهها في الإحرام"، وأما الأمة فقد قال مالك في المدونة إنها لا تصلي إلا بثوب يستر جميع جسدها وتصلي بغير قناع فجعلها أخفض رتبة من الحرة التي لا تصلي إلا بقناع، ونص أصبغ في كتاب ابن حبيب على أن: "مبلغ عورتها مبلغ عورة الرجل"، وقال: "لو صلت مكشوفة البطن ما ضرها والستر موضوع عنها عند الرجال"، وفي المبسوط إجازة إبداء يديها وعنقها وصدرها ما على الثديين منه وارتفع عنهما، ولمالك في كتاب ابن حبيب كراهة نظر المشترى عند التقليب لصدرها ومعصمها، وبالجملة فإن ظاهر المذهب انخفاض رتبتها عن الحرة في حكم العورة).
وقال المازري في شرح التلقين ج١ ص١١٣٠ في غسل الميتة: (وكذلك ذكر ابن حبيب أن ذا المحرم إذا لم يجد الماء يمّمها إلى المرفقين، وكذلك المرأة تكون في ذوي محرم منها فتيممه أحب إليه، وإن غسلته رجوت سعته، وكذلك ذكر ابن حبيب أن ذا المحرم إذا لم يجد الماء يمّمها إلى المرافق، وإنما يُمم إلى الكوعين الأجنبي وَجَدَ الماء أو لم يجد .. وسبب هذا الخلاف: الموازنة بين الاطلاع على ما الأصل منع الاطلاع عليه، وبين ترك ما تُعبّدنا به من غسل الميت، فلما اتضح عندنا شدة المنع من الاطلاع على الأجنبية كان الحكم التيمم، ولما كان ذو المحرم يؤمن تلذذه بالنظر إلى أخفض رتبة للأمن عليه ؛ فجعلنا له الغسل على صفة ما ذكرنا من الغسل للمرأة من فوق الثياب)، وهذا نص ظاهر في أن الأصل في وجه المرأة هو عدم منع اطلاع الأجنبي عليه.
وقال المازري في المعلم شرح مسلم ج٢ ص١٤٧: (٥٧٩ – قوله صلى الله عليه وسلم للمتزوج: "انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا"، قال الشيخ وفقه الله: محمل هذا عندنا على أنه إنما ينظر عند التزويج إلى ما ليس بعورة منها كالوجه واليدين، لأن ذلك ليس بمحرم على غيره إلا إذا كانت شابة فيمنع الغير من ذلك خوف الفتنة لا لأجل العورة، وكره له مالك أن يستغفلها)، وهذا الاستثناء من المازري غريب ! لأن الأصل عنده هو جواز رؤية المخطوبة لغير الخاطب، والأصل عند الناس في المخطوبة أن تكون شابة لا متجالة، فكيف يستثني الأصل ؟! والأظهر أن قوله هذا يفيد الكراهة لا التحريم.
٢٨ - أبو الطاهر بن بشير (ت٥٤٠هـ)
قال ابن بشير في كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه ج١ ص٤٧٨: (باب متى يجب ستر العورة. وأما ستر الحرائر؛ فيجب عليهن ستر سائر أجسادهن إذ كلهن عورة إلا الوجه والكفين؛ فلا يجب عليهن سترها في مقصودنا، وهو الصلاة. فصل متى يجب ستر العورة؟ وأما متى يجب عليه ستر العورة؟ فيجب عن أعين الإنسان بإجماع، وهل يجب في الخلوة لحرمة الملائكة؟ حكى أبو الحسن اللخمي استحبابه، والذي سمعناه في المذاكرات القولين: الوجوب والندب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم"، يعني الملائكة، ثم قال في آخر الحديث: "فاستحيوهم وأكرموهم"، هذا أمر، وبين الأصوليين خلاف في مقتضاه هل الوجوب أو الندب، وأيضا فمن أوجب قاس على الإنسان، ومن أسقط الإيجاب رأى أن التزامه من المشقة التي تسقطها الشريعة السمحة، وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: هل يجب ستر العورة في الصلاة أو ليس كذلك إذا كان المصلي في الخلوات حيث لا ناظر، وإنما عول على قول من قال من أهل المذهب: "من صلى بادي العورة أعاد في الوقت"، وليس كما ظنه، وإنما المذهب على قول واحد في وجوب الستر، لكن الخلاف في وجوب الإعادة في الوقت أو فيه وبعده على الخلاف في ستر العورة هل هو من شروط الصحة أم لا)، وهذا نص في توحيد عورة الصلاة وعورة النظر.
وقال ابن بشير في كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه ج٢ ص٦٧٨ في التي تموت في سفر مع رجال ليس فيهم محرم لها: (وأما إن كانوا غير ذي محارمها: ييممونها إلى الكوعين في اليدين، لأن ما عدا ذلك عورة، وأما النساء: فييممن الرجل الأجنبي إلى المرافق، إذ ليس بعورة ولا موضع يشتهى منه).
٢٩ - ابن عطية (ت٥٤١هـ)
قال ابن عطية في تفسير آية الزينة في سورة النور ج٤ ص١٧٨: (أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بغضّ البصر عن كل ما يُكره من جهة الشرع النظر إليه)، فالأمر عنده يشمل غض البصر عما يُكره وعما يُحرم، ثم قال:(وأمر الله تعالى بأن لا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، فاختلف الناس في قدر ذلك .. ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ويقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفي عنه، فغالب الأمر أن الوجه والكفين يكثر منهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن بالحسنة الوجه أن تستتر إلا من ذي حرمة محرمة، ويحتمل لفظ الآية أن الظاهر من الزينة لها أن تبديه، ولكن يقوي ما قلناه الاحتياط، ومراعاة فساد الناس، فلا يظن أن يباح للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه، والله الموفق للصواب برحمته)، وكلامه هنا يشمل عورة الستر وعورة النظر بدلالة تطرقه للناظرين.
وقال ابن عطية في تفسير آية الأحزاب ج٤ ص٣٩٩: (أمر الله تعالى رسوله عليه السلام بأمرهن بإدناء الجلابيب ليقع سترهن، ويبين الفرق بين الحرائر والإماء ؛ فيُعرف الحرائر بسترهن فيكف عن معارضتهن من كان غزلا أو شابا .. واختلف الناس في صورة إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: "ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها"، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: "ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه"، وقوله تعالى: "أدنى أن يعرفن"، أي: على الجملة بالفرق حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى تُعلم من هي).
٣٠ - سند بن عنان (ت٥٤١هـ)
قال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج١ ص٤٩٧: (وقال [سند بن عنان] في الطراز: "ولا خلاف في وجوب ستر العورة مطلقا في الصلاة وغير الصلاة، وإنما الكلام في افتقار صحة الصلاة إلى ذلك").
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج٣ ص١٤٠ في إحرام المرأة: (وقال [سند بن عنان] في الطراز: "للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال، فإن أمكنها بشيء في يديها كالمروحة وشبهها فحسن، وإن لم يمكنها وكان لها جلباب سدلته على رأسها، فإن لم يكن لها جلباب فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيديها، ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها، فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسه فتسدله على وجهها فعلته، وإن رفعت حِجر خمارها فألقته على رأسها فلا شيء عليها، لأن ستر والوجه ولبس المخيط إنما تجب فيه الفدية مع الطول والانتفاع باللبس من حر أو برد وشبهه مما وضع له ذلك اللباس، وليس هذا منه في شيء").
٣١ - أبو بكر بن العربي (ت٥٤٣هـ)
قال أبو بكر بن العربي في القبس ج٣ ص٦٣: (فأما الحرة فجسدها كله عورة، غير وجهها وكفيها، وذهب بعض الناس أنه يلزمها ستر جسدها، واستدل علماؤنا في ذلك بقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قالوا: الوجه واليدان، وعلى هذا أكثر أهل التفسير، ومما يدل على ذلك أن هذا عضو يجب كشفه بالإحرام، فلم يكن عورة كوجه الرجل، وسائر ما ذكرناه من جسد الحرة يجري مجرى عورة الرجل في وجوب ستره في الصلاة).
وقال أبو بكر بن العربي في المسالك في شرح موطأ مالك ج٤ ص٢٩٠: (وأجمعوا أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإنهم لم يختلفوا في كراهية التبرقع والنقاب للمرأة المحرمة، إلا شيئا يروى عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وعن عائشة أنها قالت: "تغطي المرأة وجهها إن شاءت"، وروي عنها أنها قالت: "لا تفعل"، وعليه الناس اليوم).
وقال أبو بكر بن العربي في تفسير آية الزينة ج٣ ص٢٨٣: (والصحيح أنها من كل وجه هي التي في الوجه والكفين، فإنها التي تظهر في الصلاة وفي الإحرام عبادةً، وهي التي تظهر عادة).
وقال أبو بكر بن العربي في تفسير آية الأحزاب ج٣ ص٦٢٦: ("ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ"، والظاهر أن ذلك يسلب المعرفة عند كثرة الاستتار، فدل وهي المسألة الخامسة على أنه أراد تمييزهن على الإماء اللاتي يمشين حاسرات، أو بقناع مفرد، يعترضهن الرجال فيتكشفن ويكلمنهن، فإذا تجلببت وتسترت كان ذلك حجابا بينها وبين المتعرض بالكلام).
وقال أبو بكر بن العربي في تفسيره ج٣ ص٤٨٣: (فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس ولا تخالط الرجال .. لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم).
٣٢ - القاضي عياض (ت٥٤٤هـ)
قال القاضي عياض في إكمال المعلم ج٤ ص٤٤٠ عن حديث الخثعمية: (قال وفيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما تخشى فتنته ومنع ما ينكر في الدين، وفي صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل عن جهتها وتغطيته وجهه على ما جاء في الحديث الآخر تغيير الأمور من الجهتين، وفيه دليل على إحرام المرأة في وجهها، قيل وفيه أن الحجاب مرفوع عن النساء، ثابت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على نص التلاوة، إذ لم يأمرها النبي عليه السلام بستر وجهها، وقد يقال إن هذا كان قبل نزول الآية بإدناء الجلابيب والستر، قال أبو عبدالله [ابن المرابط]: "والاستتار سنة حسنة، والحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فريضة).
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ج٧ ص٣٧ في شرح حديث: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة ؟ فأمرني أن أصرف بصري"، قال: (ومعنى نظرة الفجأة: التي لم يقصد صاحبها تأملها والنظر إليها، فتلك معفو عنها، والنهي عنه المحرم من ذلك: إدامة النظر وتأمل المحاسن على وجه التلذذ والاستحسان والشهوة، ولهذا قال في الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "لا تتبع النظرة بالنظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"، وأمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار، كما أمرهم بحفظ الفروج، وقال عليه السلام: "العين تزني"، وفي هذا كله عند العلماء حجة أنه ليس بواجب أن تستر المرأة وجهها، وإنما ذلك استحباب وسنة لها، وعلى الرجل غض بصره عنها، وغض البصر يجب على كل حال في أمور: كالعورات وأشباهها، ويجب مرة على حال دون حال مما ليس بعورة، فيجب غض البصر إلا لغرض صحيح من شهادة أو تقليب جارية للشراء، أو النظر لامرأة للزواج، أو نظر الطبيب، ونحو هذا، وقد اختلف السلف من العلماء في معنى قوله: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، فذهب جماعة من السلف أنه الوجه والكفان، قال القاضي إسماعيل: "وهو الظاهر، لأن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها لا يراه الغرباء إلا وجهها وكفيها، فدل أنه مما يجوز للغرباء أن يروه، وهو قول مالك"، قالوا: "والمراد بالزينة: مواضع الزينة"، وقيل: "المراد: الثياب"، ولا خلاف أن فرض ستر عورة الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منذ نزل الحجاب)، وهنا قال القاضي عياض: (فيجب غض البصر إلا لغرض صحيح .. فدل أنه مما يجوز للغرباء أن يروه)، وهذا نص واضح في جواز النظر إلى وجه المرأة، كما أنه نص واضح في أن المقصود بإيجاب غض البصر هو ما كان بلذة.
قال القاضي عياض في التنبيهات المستطابة ج٢ ص٧٣٦: (وقوله في المطلقة الرجعية: "ليس له أن يتلذذ منها بشيء وإن كان يريد مراجعتها حتى يراجعها"، وهذا يدلك على الذي أخبرتك أنه كره أن يخلو معها أو يرى شعرها أو يدخل عليها حتى يراجعها، وظاهره أن التلذذ بها على كل حال ممنوع لاستشهاده بمنعه الذريعة لخلوه معها ورؤية شعرها ودخوله عليها، وقال اللخمي: "الباب كله واحد وأن قوله اختلف في جميع هذا، وخرج الخلاف في التلذذ بها" وهو بعيد في التلذذ جدا، وكذلك يبعد في النظر إلى الشعر والخلوة، وكيف يصح في الخلوة وقد شرط في القول بإجازة الدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها، وهذا ضد الخلوة، وإلى هذا ذهب ابن محرز وغيره من الشيوخ أن الخلاف إنما هو في الجلوس عندها والأكل معها وأما التلذذ بشيء منها فلا يجوز جملة وكذلك النظر إلى وجهها وكفيها خاصة لغير لذة فلا يختلف قوله في إجازته؛ لأن الأجنبي ينظر إليه).
٣٣ - ابن رشد الحفيد (ت٥٩٥هـ)
قال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ج١ ص١٢٣ في كتاب الصلاة: (وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلا الوجه والكفين، وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة، وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة، وسبب الخلاف في ذلك احتمال قوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" النور، هل هذا المستثنى المقصود منه أعضاء محدودة، أم إنما المقصود به ما لا يملك ظهوره ؟ فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة قال: بدنها كله عورة حتى وجهها، واحتج لذلك بعموم قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ" الأحزاب الآية، ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه والكفان ذهب إلى أنهما ليسا بعورة، واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج)، وتطرقه لقول الإمام أحمد يثبت أن العورة في الصلاة هي عورة الستر عن الأجانب.
وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ج٣ ص٣١: (وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط، وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين، ومنع ذلك قوم على الإطلاق، وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين، والسبب في اختلافهم أنه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع مطلقا، وورد مقيدا، أعني بالوجه والكفين، على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" النور أنه الوجه والكفان، وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء)، وهنا ينسب ابن رشد جواز النظر إلى الإمام مالك، ويعلله بجواز كشفهما في الحج مما يقتضي جواز النظر إلى ما لم يجب ستره، وأن تحريم النظر إلى النساء ليس أصلا عنده رأسا.
وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ج٣ ص١٢٧: (واتفقوا على أن المظاهر يحرم عليه الوطء، واختلفوا فيما دونه من ملامسة ووطء في غير الفرج ونظر اللذة، فذهب مالك إلى أنه يحرم الجماع وجميع أنواع الاستمتاع مما دون الجماع من الوطء فيما دون الفرج واللمس والتقبيل والنظر للذة، ما عدا وجهها وكفيها ويديها من سائر بدنها ومحاسنها، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه إنما كره النظر للفرج فقط، وقال الشافعي: إنما يحرّم الظهار الوطء في الفرج فقط المجمع عليه لا ما عدا ذلك، وبه قال الثوري وأحمد وجماعة).
وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ج١ ص٢٤١: (ولذلك رأى مالك أن ييمم الرجل المرأة في يديها ووجهها فقط لكون ذلك منها ليسا بعورة، وأن تيمم المرأة الرجل إلى المرفقين لأنه ليس من الرجل عورة إلا من السرة إلى الركبة على مذهبه).
٣٤ - ابن فرس (ت٥٩٧هـ)
قال ابن فرس في تفسيره ج٣ ص٣٦٢: (قوله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" .. "مِنْ" في هذه الآية يحتمل أن تكون لابتداء الغاية .. ويحتمل أن تكون للتبعيض، وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة، وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة، إنما غض منه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب: "لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" .. فمن الأشياء التي يجب غض البصر عنها باتفاق: العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة، كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل عن الخثعمية)، ثم قال في ص٣٦٧: ("وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، هذه الآية تقتضي نهي النساء عن إظهار الزينة عامة، ثم استثنى تعالى من ذلك ظاهر الزينة، وهو ما لا بد من النظر إليه، وذلك المعنى بقوله: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، والنهي أيضا عام في الستر للزينة الباطنة عن جميع الناس إلا من خصص تعالى بالذكر في الآية التي بعد هذه، وقد اختلف السلف في الذي أبيح للمرأة إظهاره بقوله: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، فقال ابن مسعود: "هو الثياب"، فعلى هذا يلزم المرأة ستر جميع جسدها، ولا يجوز أن تظهر منه شيئا لا وجهها ولا كفيها ولا غير ذلك، وتكون عورة كلها، وقال الحسن وسعيد بن جبير: "الثياب والوجه"، وقال سعيد بن جبير أيضا والأوزاعي وغيرهما: "الثياب والوجه والكفان"، وقال ابن عباس وغيرهما: "الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا"، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وعلى هذا لا يجوز أن تظهر ظهور قدميها).
وقال ابن فرس في تفسير آية الأحزاب في ج٣ ص٤٤٤: ("ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ" أي يفرق بين الحرائر والإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبةً لرتبة الحرية، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي).
٣٥ - ابن عات (ت٦٠٩هـ)
قال المواق في التاج والإكليل ج٢ ص١٨١: (وفي المدونة: "إذا أبتّ الرجل امرأته وجحدها لا يرى وجهها إن قدرت على ذلك"، [قال] ابن عات: "هذا يوهم أن الأجنبي لا يرى وجه المرأة وليس كذلك، وإنما أمرها أن لا تمكنه من ذلك لقصده التلذذ بها، ورؤية الوجه للأجنبي على وجه التلذذ بها مكروه لما فيه من دواعي السوء").
٣٦ - ابن شاس (ت٦١٦هـ)
قال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة ج١ ص١١٥: (الشرط الثالث: ستر العورة، والنظر في حدها، وحكم سترها، وصفة الساتر. النظر الأول: في حدها، والمكلفون صنفان رجال ونساء، والنساء قسمان حرائر وإماء، فأما الصنف الأول فأجمعت الأمة على أن السوءتين منهم عورة، واختلفوا فيما عد ذلك، وفي المذهب ثلاثة أقوال، أحدها: أن لا عورة إلا السوءتان، الثاني: أن العورة من السرة إلى الركبة، وهما داخلتان في ذلك، والثالث: هذا التحديد، لكنهما غير داخلتين وروى القاضي أبو الفرج [الليثي] ما ظاهره إيجاب ستر جميع بدن الرجل في الصلاة، وأما القسم الأول من الصنف الثاني، فجميع أبدانهن عورة، إلا الوجه والكفين، وأما القسم الثاني، فعورتهن كعورة الرجل، وقال في الكتاب في الأمة الكبيرة تصلي بغير قناع، قال: "ذلك سنتها، وكذلك المكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها "، قال: "ولا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب تستر به جسدها"، وقال في السراري اللاتي لم يلدن: "هن إماء، يصلين كما تصلي الأمة التي لم يتسررها سيدها"، وأما أمهات الأولاد، فإنهن يصلين كالحرة بقناع ودرع أو قرقل يستر ظهور القدمين، فإن صلت أم الولد بغير قناع، فأحب إلي أن تعيد ما دامت في الوقت، وليس ذلك بواجب عليها كوجوبه على الحرائر .. النظر الثاني: في حكم الستر، وهو واجب عن أعين الإنس)، وهو بهذا يقرر أن العورة داخل الصلاة هي العورة خارجها.
وقال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة ج١ ص٢٩٢: (وأما المرأة فإحرامها في وجهها وكفيها، ولها أن تستر وجهها بثوب تسدله)، وقد قال قبل ذلك بقليل عن إحرام الرجل: (أما سائر الجسد فله ستره، لكن لا يلبس المخيط الذي أحاطت به الخياطة).
وقال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ج٢ ص٤٠٩ في النظر إلى المخطوبة: (ولا ينظر إلّا وجههَا وكفيها).
وقال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ج٣ ص١٣٠٥: (وخلوة الرجل بالمرأة - إذا لم يكن زوجها ولا ذا محرم منها - لا تحل له، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان ثالثهما"، ولا يجوز النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلا إلا لضرورة كتحمل شهادة أو علاج أو عند إرادة النكاح كما تقدم، وأما ذو المحرم فيجوز أن يرى منها الوجه والكفين، ويباح للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم، إلا أن تكون له منظرة فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف من لا يؤمن ذلك منه).
وقال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ج٣ ص١٢٩٣ في أحكام دخول الحمام:(قال:"وأما النساء فلا سبيل إلى دخولهن لأن جميع المرأة عورة للرجل والمرأة"، أولا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل صلاة المرأة في مخدعها" لما هي فيه من الستر، ولم يؤذن لها في الحج أن تكشف إلا وجهها ويديها).
وقال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ج٢ ص٤٠٩: (ويباح النظر إلى وجه المرأة لتحمل الشهادة، ويباح أيضا إلى الفرج لتحمل شهادة الزنا في ظاهر المذهب).
٣٧ - ابن القطان (ت٦٢٨هـ)
قال ابن القطان في مسائل الإجماع ج١ ص٦١: (١٤٥٧ - وأجمعوا أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وأن تستر شعرها وهي محرمة، ١٤٥٨ – وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها).
وقال في أحكام النظر في نص طويل يمتد من صفحة ٣٦٣ إلى صفحة ٤١٨، فقال في ٣٨٦: (٩٤ - مسألة: إذا كانت المرأة المنظور إليها غير ذات محرم أعني أجنبية، فهي لا تخلو من أن تكون صغيرة أو كبيرة، وإذا كانت كبيرة لا تخلو من أن تكون مسلمة أو كافرة، إذا كانت مسلمة فلا تخلو من أن تكون حرة أو أمة، شابة أو عجوزا.
٩٥ - مسألة: إن كانت هذه الأجنبية صغيرة هل يجوز له النظر إلى وجهها أم لا ؟ في ذلك قولان كما في الكبيرة على ما سنذكر الآن إن شاء الله تعالى، والأظهر - إذا كانت لا تشتهى لصغرها - الجواز، فإن كانت تشتهى جاز ما لم يخف الفتنة أو يقصد اللذة كما نقوله بعد في الكبيرة، وهذه مبنية عليها، والتقسيم اقتضى تقديمها وإلا فالأولى كان تأخيرها، ومن الفقهاء من قال: "الأظهر المنع نظرا إلى جنس الأنوثة""، وقد صح حديث أبي قتادة ٢٠٧ – "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها"، ومستبعد جدا أن تكون على صغرها بنقاب، وقد رأوها وعرفوها، وحديث أم سلمة المتقدم الذكر في الجارية التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهها سفعة لا يدل على المقصود ههنا، لاحتمال أن يكون أدرك ذلك منها بنظرة الفجأة، وسنقرر النظر إلى وجه الكبيرة بما لا يبقي إشكالا في هذه، حتى يتبين بها جواز النظر إلى وجهها إذا لها يخف الفتنة ولم يقصد اللذة، وامتناعه إذا قصد اللذة، وقد قلنا: إنه يحرم نظره بقصد اللذة لذات محرم؛ فكيف هذه التي فرضناها أجنبية، وجواز النظر أيضا إذا لم يخف الفتنة يتبين فيما بعد إن شاء الله تعالى). ثم قال في ص٣٨٨: (٩٧ – مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية كبيرة، وهي مسلمة: فلا خفاء في تحريم النظر من الأجنبي إلى ما عدا وجهها وكفيها وقدميها، كالصدر والبطن والعنق والشعر وما فوق السرة والظهر، هذه مواضع لا يجوز له النظر إلى شيء منها أصلا، وهذا ما لا خلاف فيه، أما نظره إلى وجيها وكفيها وقدميها فموضع نظر، فلنبدأ بالوجه:
(٩٨) – مسألة: أما نظره إلى وجهها: فمنهم من جوزه بإطلاق، ومنهم من جوزه لا بإطلاق ولكن مقيدا بأن لا يخاف بالنظر إليه الفتنة، ومنهم من حرمه بإطلاق، ومنهم من جعله مكروها، وما رواه عاصم الأحول، عن الشعبي قال: قلت له: "الرجل ينظر إلى المرأة لا يرى منها محرما"، قال: "ليس لك أن تتبعها ببصرك" يحتمل أن يكون به مانعا من النظر، فيكون مع المحرمين، ويحتمل أن يكون به مانعا من الإدامة والتحقق فيكون مع المبيحين، وهذا أظهر في تأويله، فقد روي عنه: أنه كره أن يسف الرجل النظر إلى أمه وابنته وأخته. قال أبو عبيد: "الإسفاف: شدة النظر وحدته"، وهذا منه بلا شك لا يكون به مانعا، فإنه لا يمتنع عند أحد النظر هكذا إلى من ذكر، فهو إذا مع المبيحين، فمن حرم النظر إليه بإطلاق من الفقهاء يجيء قوله موافقا لقول عبدالله بن مسعود: "إن الزينة الظاهرة هي الثياب" فلا تبدي وجهها، ومن قال: "وما تبديه ينظر إليه إلا أن يخاف الفتنة" يجيئ قوله موافقا لقول من قال في الزينة الظاهرة: "إنها الثياب والوجه"، إذ ما يُبدى يجوز النظر إليه، وهذان القولان موجودان منصوص عليهما عند الشافعية، وأحدهما: وهو جواز النظر إليه إلا أن يخاف، هو مذهب الحنفية، نص على ذلك القدوري، ومن الشافعية من قال: "إنه يكره النظر إلى ما ليس بعورة من الأجنبية ولا يحرم"، ويمكن أن يقال: إن مذهب مالك منها هو أنه لا يجوز للرجل النظر إلى وجه الأجنبية إلا من ضرورة، وإلى هذا ذهب ابن رشد ونص عليه في المقدمات، وسنورد كلامه في باب تصرف الأجنبي للمرأة في حوائجها في باب الضرورات إن شاء الله تعالى، فإنه شرح الرواية في ذلك، وعلى هذا -وقد تقدم التنبيه على مواضع- تفهم أن مذهب مالك خلاف هذا، من جواز النظر إلى وجهها في باب ما تبديه أو لا تبديه عند الكلام على الزينة، ومذهب القاضي أبي بكر بن الطيب [هو الباقلاني ت٤٠٢هـ]: تحريم النظر إلى وجه المرأة إلا من ضرورة خطبة، وقد قدمنا في مواضع أن إجازة الإظهار دليل على إجازة النظر، فإذا نحن قلنا: يجوز للمرأة أن تبدي وجهها وكفيها لكل أحد، على غير وجه التبرج من غير ضرورة، لكون ذلك مما ظهر من زينتها، ومما يشق تعاهده بالستر في حال المهنة، فقد جاز للناس النظر إلى ذلك منها، لأنه لو كان النظر إليها ممنوعا - مع أنها يجوز لها الإبداء - كان ذلك معاونة على الإثم وتعريضا للمعصية وإيقاعا في الفتنة؛ بمثابة تناول الميتة للأكل لغير مضطر، فمن قال من الفقهاء بجواز البدو فهو غير محتاج إلى إقامة دليل على جواز النظر، وكذلك أيضا ينبغي أن يكون من لم يجز للمرأة البدو والإظهار غير محتاج إلى إقامة الدليل على تحريم النظر، بل يكون النظر إليها من غير ضرورة حراما، لأنه إذا كان إبداؤه حراما، كان النظر إليه بمثابة النظر إلى العورة أو البطن أو غيرهما، وقد قدمنا أنه جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها، فإذا النظر إلى ذلك جائز، لكن بشرط ألا يخاف الفتنة وأن لا يقصد اللذة، أما إذا قصد اللذة وخاف الفتنة فلا نزاع في التحريم، بل لو كان نظره على هذا الوجه إلى ذات محرمه، بنته أو أخته، كان حراما، واذا لم يقصد اللذة لكنه يخاف الفتنة بنظره، فينبغي أن يكون ممنوعا، بقوله: "اصرف بصرك"، وبليّه عنق ابن عمه وقوله: "خشيت عليهما"، وبما علم من قاعدة الشرع في الأمر بغض البصر، أنه لأجل الخوف على النفس وقصد صيانتها عما يجلب إليها هوى وإن كان لم يخف. وما قلناه هاهنا هو الخلاف الذي قدمنا حكايته، فمن مانع ومن مجيز، وقد كان تقدم النظر في مسألة النظر إلى الغلام، وأنه إذا نظر إليه الناظر غير قاصد ولا خائف: أنه جائز بلا خلاف، والأمر هاهنا بخلاف ذلك، يعني أنه إذا نظر إلى وجه المرأة غير قاصد ولا خائف، فالخلاف قائم استمدادا من غلبة الفتنة بهن أكثر من الفتنة بهم، وذلك أنهن محل قضاء الوطر الذي ينبني عليه التناسل المقدر، فميل النفوس إليهن كميلها إلى الطعام والشراب، اللذين ينبني عليهما بقاء الجنس إلى أجله المقدر، فيلتحق هذا المعنى بمن حرم النظر من أجله وإن كان الناظر غير قاصد ولا خائف، صيانة للنفس عن الهوى، حتى يكون ما ينال من اللذة ويقضي من الوطر على الوجه الشرعي، ومن غلب عليه الالتفات إلى المعنى الذي من أجله وجب غض البصر في أصل الشريعة وهو الخوف على النفس مما يحد إليها الناظر قال ههنا: "هو غير خائف ولا قاصد، فالنظر جائز")، ثم قال في ص٣٩٢: (وأما نظر الرجال إلى النساء، أو نظر النساء إلى الرجال فالقول فيهما على خلاف ذلك، وهو أنه إذا تحقق الأمران: الخوف والقصد، أو كان القصد وتصور دون الخوف ؛ حرم النظر في الحالين، ولو كان من الرجل إلى ابنته ومن المرأة إلى ابنها، وإن عدم الأمران، فأما في مسألة نظر الرجل إلى المرأة، فقيل: يجوز النظر إليها التفاتا إلى عدم سبب المنع، وقيل: لا يجوز تغليبا لمستقر العادة في ميل النفوس إليهن، وأما في مسألة نظر المرأة إلى الرجل فأحرى بالجواز، إذ لا قصد ولا خوف، وإن كان الخوف دون القصد امتنع النظر ولا بد في مسألة نظر الرجل إلى المرأة، وهذا هو موضع غض البصر المشروع خيفة الفتنة. وأما في مسألة نظر المرأة إلى الرجل، فمختلف فيه على ثلاثة أقوال سنبينها في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله.
ولنُعِد تلخيصها على وجه آخر، فنقول: قصد الالتذاذ محرم النظر لذوي المحارم وذوات المحارم، فكيف للأجنبيات والأجانب، سواء كان الناظر رجلا أو امرأة، لرجل أو امرأة، وينتظم قصد الالتذاذ قسمين: إذ يكون مع الخوف ودونه، وعدم الأمرين يجوز معه ثلاث مسائل، ويختلف في الرابعة، وهو نظر الرجل إلى المرأة، فقيل فيها: يمتنع، لأنها محل الشهوة الجبلية، وقيل: يجوز لعدم سبب المنع، فلم يبق إلا قسم واحد، وهو الخوف دون القصد)، ثم قال في ص٣٩٣: (وفي مسألة نظر الرجل إلى المرأة: يحرم قولا واحدا لأن المحكي فيه قولان، أحدهما: يحرم بإطلاق، والآخر: يجوز ما لم يخف. فعلى القولين: إذا خاف حرم، وفي مسألة نظر الرجل إلى المرأة إذا خاف ولم يقصد، فيها ثلاثة أقوال، سنبينها في باب نظر النساء إلى الرجال إن شاء الله.
والمسألة التي نحن فيها قد نسيتها بما خرجنا إليه فلنعد لها، وهي نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية الحرة البالغة، فإذا قصد اللذة وخاف الفتنة حرم النظر، وإذا قصد اللذة ولم يخف كذلك، بل وكذلك لابنته، وإذا لم يخف ولم يقصد قولان، أحدهما: المنع، والآخر: الجواز، فإن تحرك أمسك، وفيما إذا خاف ولم يقصد، المنع ولا بد. وعلى هذا تخرج الأحاديث.
أما قوله عليه السلام لجرير بن عبدالله: "اصرف بصرك" فإنه يعني به ما بعد نظر الفجأة، إذ لا يدخل نظر الفجأة تحت التكليف، فإنها بغير قصد إلى إيقاعها، وإنما قال له: "اصرف بصرك" عما وراءها، وذلك والله أعلم أنه خاف عليه الهوى لما رآه معتنيا بالسؤال عنه، ولأنه معلوم من حاله رضي الله عنه أنه كان في الجمال كيوسف، وكذلك كان يقال: جرير يوسف هذه الأمة، والنظر كما يجر الناظر إلى الهوى يجره إلى المنظور إليه، كما قال:
ويرفع الطرف نحوي إن مررت به *** ليخجلني من شدة النظر
وما زال يفعل بي هذا ويدمنه *** حتى لقد صار من همي ومن نظري
فلعله -عليه السلام- خاف أن يكون نظره جالبا إليه هوى، ومسببا لمن ينظر إليه هوى، فمنعه، وعلى هذا المعنى يخرج ما روي عن مالك -رحمه الله- من اشتراطه في نظر العبد إلى سيدته أن لا يكون له منظر، لأنه إذا كان له المنظر والجمال والشباب فنظر استمالها لا بد، إذ المرأة تكون تارة ضعيفة سريعة الانكسار، ولا سيما إن كانت لا زوج لها، بخلاف الوغد القبيح المنظر، هذا يمكن أن يكون نظره ترويعا، فكيف أن يعد جالبا للهوى، والله أعلم.
وروى الترمذي عن محمد بن بشار، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عبدالرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الفضل بن عباس، قال: "ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال: رأيت شابا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما". قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره البزار أيضا، وهو ظاهر قوي بما قلناه من إباحة النظر إذا لم يخف الفتنة، وذلك من حيث تركها لم يأمرها بالتنقب، ولم ينه الناس عن النظر إليها، وإنما نهى من خاف عليه الفتنة. فإن قيل: لعلها كانت محرمة، فلذلك لم تؤمر بستر وجهها، فالجواب أن نقول: لا يضر ذلك ما نحن فيه من إباحته للفضل وغير النظر لولا ما خاف من الفتنة، هذا لا يقدر أحد أن يفهم من الخبر خلافه، أعني: أنه لولا خوفه عليه الافتتان لتركه كما ترك الناس، وقد فهم العباس أن النظر جائز، ولذلك أنكر لي عنق ابنه، حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بالذي أوجب ذلك، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فهمه، ولو كان النظر حراما لقال له: يا عم، إني رأيته ينظر والنظر حرام، وهو لم يقل ذلك، وإنما قال له: "رأيت شابا وشابة فخشيت .." فمنعه لما خاف عليه. أما المرأة، فإنه -والله أعلم- رآها مقبلة على شأنها سائلة عما عنّ لها، فلذلك لم يعرض لها بنهي، فإن تتبعها لم تدل عليه قرينة كما دلت قرينة التفات الفضل وإلحاحه بالنظر على مغيبة [أي أن زوجها غائب]، فلعل المرأة لم تقصد بالنظر التذاذا ولا خافت فتنة، وسنزيد هذا بيانا في باب نظر المرأة إلى الرجل إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فقد ذكر البزار ما هذا سياقه:
٢٠٩: نا يوسف بن موسى، نا عبيد الله بن موسى، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أنه قال: "كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزدلفة وأعرابي يسايره، ومعه ابنة له حسناء قد أردفها خلفه، فجعلت أنظر إليها، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يلوي وجهي ويصرفه عنها، فلم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة" ؟ ففي هذا الحديث أنها مردفة خلف أبيها ؟ وفي حديث: "فمرت به ظعن يجرين" فإن هذا تعارض ؟ قلنا: لا تعارض فيه، بل يمكن وقوع ذلك كله، فمرت الظعن، وساير الأعرابي، وسألت الخثعمية، وتكرر الفعل من الفضل، والمنع من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يؤيد ما قلناه: من أنه عرض له لما رأى من إلحاحه، ولم يعرض للنساء لإقبالهن على شؤونهن أو لأنهن محرمات، ولا أيضا لغير الفضل من الرجال ممن لم ير منهم ما رأى من الفضل من الإلحاح، ويتبين من حديثٍ رواه ابن جريج عن:
٢١٠ - أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس أنه كان مردفا للنبي صلى الله عليه وسلم في دفعته من عرفة إلى المزدلفة يوم عرفة، ومن المزدلفة إلى منى يوم النحر. ذكر ذلك البزار فاعلمه. فإن قيل: فقد ذكر البزار حديث أبي سهم، قال:
٢١١ - مرت امرأة فنظرت إليها، فجبذتها جبذة ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وهو يبايع الناس، فنظر إلي فقال: "ألست صاحب الجبذة بالأمس" ؟ قلت: بلى يا رسول الله، لا أعود، قال: فبايعني. وإسناده صحيح. قال: نا محمد بن عبد المخرمي، قال: نا أسود بن عامر، قال: نا هريم، يعني: ابن سفيان، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم. ففهي هذا أنه أنكر عليه الجبذة، ولم ينكر النظرة، وبلا ريب أنها قد كانت بقصد يمنع من النظر بدليل ما تبعها من الجبذة. قلنا: بل ظاهر القصة أنه أنكر عليه النظر، فأما الجبذ فما فيه مس ولا لمس، فلعله كان بطرف من ثوبها. وإنما المنكر الذي أتاه النظر، وهو الذي أفهمه النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يمنعه من مبايعته، وليس في قوله: "ألست صاحب الجبذة بالأمس" ما دل على أنه لا يعني إلا الجبذة، بل ما ذكر ذلك إلا كالصفة له المفهمة أنه قد عرف ما كان منه من غير تصريح به، فما في هذا ما يناقض شيئا مما قلناه، لأنه لا خلاف في تحريم ما أشبه هذا من النظر، فاعلمه، والله الموفق.
(٩٩) مسألة: نظره إلى القدمين والكفين من الحرة الأجنبية المدركة المشتهاة:
بنيني القول فيه على ما تقدم مما تبديه للأجانب من زينتها الظاهرة، وقد كان منهم من قال: الثياب والوجه فقط، فهؤلاء لا يجيزون النظر إلى الكفين والقدمين، وكان منهم من قال: الوجه والكفان، فهؤلاء يجيزون النظر إلى ذلك، وكان منهم من قال: ظهور القدمين ليسا بعورة ولا يلزم سترهما في الصلاة، فهؤلاء يجيزون النظر إلى الوجه والكفين وظهور القدمين. فممن يقول بأنها تبدي الوجه والكفين: سعيد بن جبير، والأوزاعي، وزاد ابن عباس: إلى نصف الذراع، وهذا هو الصواب عندي أخذا مما قد مر في باب ما يجوز إبداؤه، وبما مر الآن في مسألة النظر إلى الوجه، فإذا للأجنبي النظر إلى الكفين، كما يجوز له النظر إلى الوجه ما لم يخف. أما القدمان، فقد قلنا: إن الأظهر المنع من إبدائهما، فيمتنع على ذلك النظر إليهما. وهذا كله مبني على ما قد تقدم، وقد تمسك بجواز النظر إلى اليدين بحديث حذيفة المتقدم في الجارية التي أخذ بيدها كافا لها عن الطعام، بل القبض على يدها أشد من النظر إليها، ولكن يجوز النظر ولا يجوز القبض على يد الأجنبية، وإنما كان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إنكارا لمنكرها وتغييرا عليها، والممكن من تغييره باليد، لأنها لها تكن منتهية باللسان، والذي أتت منكرا وهو تناولها طعاما لم تدع إليه، ومن أتى طعاما بغير إذن مالكه منتهب أو شبه المنتهب والله أعلم.
(١٠٠) مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية المسلمة الحرة عجوزا، وقد بلغت من السن إلى حد لا تتحرك الشهوة بالنظر إليها، فالأظهر عند أبي حامد الغزالي المنع، بناه على أصل القائلين بالمنع من النظر إلى وجه الأجنبية مطلقا، وسوى بينها وبين الفتاة من حيث هي بالجملة محل الوطء، والشهوات لا تنضبط، ولكل ساقطة لاقطة، وإذ قد كان مختارها جواز النظر إلى وجهها كالفتاة ما لم تخف الفتنة أو تقصد اللذة، فإن النظر إلى هذه بالجواز أحرى، فإنه آمن من الفتنة بسبب قائم محقق. هذا هو المعتمد، ويعتضد بظواهرها دخوله صلى الله عليه وسلم على أم سليم وأم حرام، وائتمامهما به، وبعيد أن تكونا مستترتي الوجه، وإن جاز ذلك فإنه ليس بالظاهر، ولم تكن أم سليم من الكبر في هذا الحد الذي فرضناه، بل كانت في سن من يلد، وابنها عبد الله لما ولدته سماه النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك ٢١٢ - قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "اعتدي عند أم شريك" على معتادها من زيارة الرجال إياها، والفارق الموجب للافتراق: أنها عجوز، وفاطمة شابة، هذا هو الأظهر فيه، ويحتمل أن يكون قد علم من أم شريك التحفظ ومن فاطمة التساهل في التفضل، ولم يبح لواحدة منهن التبرج بالزينة. وكذلك أيضا: غزو أم عطية مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، تداوي الجرحى وتقوم على المرضى، وكذلك غزو أم سليم وحضورها القتال بخنجرها لمزيد قوامتها، والغالب على مثل هذه الأحوال: البدو على الناس والنظر؛ فالظاهر من هذا كله جواز ما وراء نظر المفاجآت إلا لمن خاف أو قصد اللذة، وقد تقدم القول في ذلك وفي ما يجوز للقواعد من النساء إبداؤه في باب ما يجوز إبداؤه وما لا يجوز.
(١٠١) مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية مسلمة أمة، هل هي في جواز النظر إليها وامتناعه مثل الحرة أم لا ؟ اختلف في ذلك، فمنهم من قال: إنها كالحرة سواء، ومنهم من قال: هي بالنسبة إلى الرجل كنسبة الرجل إلى الرجل فيما يجوز أن ينظر منها، ومنهم من قال: ينظر منها إلى ما يجوز أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وذلك مثل: الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظر إلى بطن ولا ظهر، هذا ما حكاه القدوري على أنه مذهب الحنفية، وزعم أبو عمر بن عبدالبر أن كون ما هو منها عورة كالرجل مجمع عليه، وزعم الغزالي أن القياس هو أن لا يجوز النظر منها إلا ما يجوز النظر إليه من الحرة، وحكاه قولا قد قيل. وروي عن مالك من كراهة خروجهن متجردات ما قد ذكرنا جميعه، وبينا كيف لا يصح الإجماع الذي حكاه أبو عمر معه مستوعبا في باب ما يجوز للأمة إبداؤه، فعد إليه بالنظر، والأظهر عندي في تلك المسألة: جواز إبدائهن من أنفسهن أكثر مما تبديه الحرة من نفسها، أخذا مما قدمنا ذكره من مستقر الأمر فيهن جيلا فجيلا. وأما في هذه المسألة التي هي ما يجوز النظر إليه منهن فموضع حذر وتوقف، فإن من الإماء من هي أحسن من كل حرة تراها عين، والإطلاق للرجال على النظر إلى محاسنهن معناه مخالفة المتقرر شرعا من وجوب مراعاة صيانة النفس بغض البصر عما يجلب إليه الهوى، فإن قلت: هذا يعارض لما لم يزل معتدا إياه في كل ما مر من أنه: متى جاز الإبداء جاز النظر، وما جاز إبداؤه جاز النظر إليه ؟ وهنا قلت: إن الأمة يجوز لها أن تبدي من نفسها أكثر مما تبديه الحرة، ولا يجوز للرجل أن ينظر منها إلا إلى ما ينظر إليه من الحرة ؟ فالجواب أن نقول: إنما أثبتنا ذلك الأصل بقول مطلق، وهو: "ولا تعاونوا على الإثم"، فمن أجاز الإبداء أجاز النظر، فإنه لو حرم كان الإبداء إعانة على الإثم، وهذا القول المطلق على تقييده في موطن أو مواطن بأدلة مقيدة إن وردت، وهذا المكان من ذلك فإنا إن أبحنا للرجل النظر إلى غير الوجه والكفين من صدر أو عنق من جارية كالبدر فقد خالفنا مقطوعا به، وأرسلنا البصر حيث أمر بغضه، وتعرضنا للفتن أكثر من تعرضنا لها بالنظر إلى ذلك من الحرة الشوهاء الهزيلة التي قد حرم النظر إليها كذلك هاهنا، وهذا النوع من النظر من حكاه يكون فظيعا.فإن قيل٢١٣ – فقد روى أنس بن مالك في قضية صفية: "أنهم قالوا: لا ندري: أتزوجها، أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وان لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها"، ففي هذا: "إن لم يحجبها فهي أم ولد" يعنون: أمة، فإنها لم تلد بعد، وبعيد أن يعنوا بذلك ستر وجهها، فإن الحرة والأمة في إبداء الوجه سواء، فإنما ذلك فيما زاد على الوجه؛ فقد دل هذا على أنها تبدي إذا كانت أمة أكثر مما تبديه الحرة ؟ فالجواب أن نقول: هذا عين ما قلناه من أن الأمة فيما تبديه بخلاف الحرة، أي: إنها تبدي من نفسها أكثر من الحرة، وأما في النظر إليها كالحرة ليس ذلك في هذا الخبر، فإنهم لم يقولوا: إنهم نظروا منها إلى أكثر من الوجه، ولا ذكروا ذلك، والأظهر أن يكون قوله: "حجبها" إنما معناه: أنه ستر ركبتها حتى خلف الحجاب، فلما استقرت أرسل الحجاب، وإذا كان ذلك لم يكن منه اعتراض، وكفينا مؤونة الجواب). ثم قال في ص٤٠٦: ( (١٠٥) مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية الحرة كافرة، هل هي في جواز نظر الرجال إليها كالمؤمنة؟ أو أقل حرمة؟ يظهر في ذلك مثل المؤمنة، ولا أعرف خلاف ذلك، وإنما وجب أن تكون مثلها لتساويها في تحريك الشهوة وتعرض الناظر إليها للفتنة، بل ربما كانت النفس بما تعلم من هوى من لا وازع له أسرع إلى الافتتان بها، وقد تقدم الآن الجواب عن حديث حذيفة في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم بيد الكافرة تغييرا لمنكرها في تناولها طعام غيرها بغير أمره من بين أيدي رجال ليس لها من التبسط بحضرتهم هذا القدر، فغيره بيده؛ وذلك إذا لم يكن التغيير باللسان كافيا .. ودرجات التغيير: التغيير باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، وهذا أضعف الإيمان، ولم يكن الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم فيتركه لها، وواضعه بين أيديهم لا ندري ما فعل ولا نُقل أنه كان حاضرا، وليس وضعه للطعام بين أيديهم تمليكا لهم حتى يتصرفوا فيه بغير الأكل، ولا أيضا وضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وحده فيستبد فيه بنظره، وقد بينا قبل: أنها كانت مكلفة، غير صغيرة، والله أعلم. وليس من هذا الباب قول علي رضي الله عنه للمرأة: "لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب"، فأخرجته من عقيصتها كما ضمنه البخاري رحمه الله، حيث ترجم في كتابه عليه: "إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة، والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن" لاحتمال ألا يكون أحد منهم نظر إلى عقيصتها، ولا أيضا فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعتمد ما تقدم والله الموفق.
(١٠٦) مسألة: كل ما قلنا أنه لا يجوز نظر الرجل إليه من المرأة لو كانت حية، فإنه لا يجوز أيضا وإن ماتت، وقد بينا قبل أن نظر الرجل إلى فرج امرأته إن كان جائزا حال الحياة، فإنه يمتنع بعد الموت، فما لم يكن النظر إليه جائزا في الحياة أحرى بأن يمتنع النظر إليه بعد الموت، وذلك لأنها محترمة، والنظر منتهك لحرمتها، وتحدث للميت حرمة لم تكن للحي، وذلك أن النظر إلى المرأة في حال الحياة إن كان حرم مخافة الافتتان - وذلك معدوم في الميتة - فإن الحرمة التي حدثت بالموت مستقلة بتسبيب المنع، وإنما أحسب أنه لا خلاف فيها، ومن أجل ذلك تكلم الفقهاء في مسألة جواز غسل الرجل لها عند عدم النساء، وقد منعوا زوجها من النظر إلى فرجها إذا غسلها، وقد تقدم ذكر ذلك، وقد روى أشهب عن مالك في المرأة تموت بفلاة ومعها ابنها، أيغسلها ؟ قال: ما أحب أن يلي منها ذلك، قيل: أييممها ؟ قال: يصب الماء من وراء الثوب أحب إلي، فانظر كيف منعه بعد موتها من نظر ما كان له جائزا النظر إليه في حياتها مما عدا العورة؛ إذ العورة سواء في حال الموت وفي حال الحياة لا يجوز نظره إليه، وهكذا قولهم في سائر ذوي المحارم: الأخ والأب وغيرهما، فاعلمه)، ثم قال في ص ٤١٧: ( (١١٣) مسألة: العبد في النظر إلى سيدته بمثابة من ليس له أرب، فإنا قررنا جواز بدوها له، وإذا كان جائزا لها البدو جاز له النظر إلى ما يبدو له منها، وقد تقدم ذلك، ومن منع من بدو المرأة للعبد منع من النظر إليها كما تقدم عن سعيد بن المسيب، وهو مذهب أبي حنيفة. قال القدوري: "ولا يجوز للمملوك أن ينظر من سيدته إلا ما يجوز للأجنبي أن ينظر إليه منها"، وقد منع النظر إليها من أجاز البدو لها، وروى عن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا أن تضع المرأة ثوبها عند مملوكها، وكان يكره أن يرى شعرها، وأما مالك فالرواية عنه مقيدة، وعلى ما ذكره ابن المواز عنه، قال: "والعبد الفحل يرى من شعر سيدته دون غيرها إذا كان لا منظر له"، وكذلك إذا كان مكاتبها، فإن قيل: ولم يتشرط فيه أن لا يكون له منظر ؟ وإنما ينبغي أن يكون ذلك مشترطا في بدو المرأة طريقا إليه، أما نظره إليها فلا ؟ فالجواب أن يقال: يخرج اشتراط ذلك على مثل ما قررنا عليه نهيه عليه السلام جريرا عن النظر لما كان به من الجمال ما كان، والنظر من الجميل محرك جالب للهوى، بخلاف نظر القبيح، فإنه أقرب إلى أن [يكون] ترويعا منه إلى أن يجلب هوى).
٣٨ – علي بن سعيد الرجراجي (ت٦٣٨هـ)
قال الرجراجي في مناهج التحصيل ج١ ص٣٠٠: (ومن طريق المعنى أن المرأة لما كان صوتها عورة، وتأمّل النظر فيها محظور إلا لضرورة ؛ وجب ألا تجوز إمامتها)، والمحظور عند الرجراجي هو تأمل النظر على وجه الالتذاذ، أما النظر بدون لذة فكلامه الآتي صريح في إباحته.
قال الرجراجي في مناهج التحصيل ج٤ ص١٧٩ في المطلقة الرجعية: (والثاني أنه يجوز له الدخول عندها والأكل معها إذا كان ممن يتحفظ بها، ولا يتلذذ منها بشيء ولا بنظرة، ولا يقربها ولا ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء من محاسنها، ولا ينظر إلى وجهها إلا كما ينظر إليه الأجنبي، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة حيث قال: "ليس له أن يتلذذ منها بشيء وإن كان يريد مراجعتها حتى يراجعها"، وهذا يدلك على الذي أخبرتك أن كره أن يخلو معها أو يرى شعرها أو يدخل عليها حتى يراجعها، وهذا ظاهر، لأن الدخول عندها والخلوةو معها ذريعة إلى النظر إلى شعرها).
وقال الرجراجي في مناهج التحصيل ج١ ص٣٦٤: (فالحرائر البوالغ لا تصلي امرأة منهن إلا بدرع سابغ يستر جميع جسدها، وخمار تتقنع به، وذلك أدنى ما تجزئها به الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلا بدرع وخمار"، واختلف هل جميع ذلك منها عورة، ويكون ستره فرض أو بعضه فرض وبعضه سنة على ثلاثة أقوال: أحدها أنها إن صلت عريانة أعادت أبدا، وإن انكشف صدرها أو رأسها أو ظهور قدميها أعادت في الوقت، وهو قول مالك في المدونة، والثاني: أن جميع ذلك سنة، وإن صلت عريانة أعادت في الوقت، وهو قول أشهب في الرجل، والثالث: التفصيل بين السوأتين وغيرهما، والخلاف فيها كالخلاف في الذكور سواء لأن المرأة مساوية للرجل في ستر السوأتين، ثم لا يكون بقية جسدها أخفض رتبة في السوأة من سوأة الرجل، ولا تنتقب في الصلاة ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد وهذا في الحرائر البوالغ).
وقال الرجراجي في مناهج التحصيل ج٢ ص٤٠: (المسألة السابعة: إذا مات الرجل وليس معه إلا النساء، أو ماتت امرأة وليس معها إلا الرجال، ولا يخلو من منع الرجال من النساء إذا مات من أن يكن أجنبيات أو ذوات محارمه، فإن كن أجنبيات فلا خلاف في المذهب المنقول أنهن لا يغسلنه، ولكن ييممنه .. واختلف في حد ما يبلغن بالتيمم له، قيل: إلى المرفقين، وهو نص المدونة، وقيل: إلى الكوعين، وهذا القول يتخرج من الكتاب، وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يحل للأجنبية أن تراه من الرجل الأجنبي، هل إنما يحل لها أن ترى منه مثل ما يحل له أن يرى منها ؟ ثم لا يجوز لها أن تتعدى الكوعين بالتيمم له، وإنما يجوز لها أن ترى منه مثل ما يجوز لذوات محارمه أن يرينه منه، فيباح لهن أن ييممنه إلى المرفقين).
وقال الرجراجي في مناهج التحصيل ج٤ ص٣٤٠ في المطلقة الرجعية: (فقد قال مالك في المدونة: "لا تتزين له، ولا يرى شعرها ولا وجهها ولا صدرها إن قدرت، ولا يأتيها إلا وهي كارهة"، وقوله: "لا يرى وجهها"، فنهاها مالك أن تمكنه من رؤية وجهها، ومعناه: أن يراه على وجه الالتذاذ بها، لأن النظر إلى وجهها محرم على الجملة، ولا خلاف أن وجه المرأة ليس بعورة، وقد قال مالك في كتاب الطهارة من المدونة: "لا بأس أن ينظر الزوج إلى وجهها، وقد يرى غير زوجها وجهها"، وإنما منع من النظر إلى وجهها للذة مخافة الفتنة).
٣٩ - ابن الحاجب (ت٦٤٦هـ)
قال ابن الحاجب في جامع الأمهات ص٨٩ في عورة الصلاة: (الثالث ستر العورة، وفي الرجل ثلاثة أقوال السوأتان خاصة، ومن السرة إلى الركبة، والسرة حتى الركبة وقيل ستر جميع البدن واجب، وعورة الحرة ما عدا الوجه والكفين، والأمة كالرجل بتأكد، ومن ثم جاء الرابع المشهور إذا صليا بادي الفخذين تعيد الأمة خاصة في الوقت، وأم الولد آكد منها، ولذلك قال: "إذا صلت بغير قناع فأحب إلي أن تعيد في الوقت" بخلاف المدبرة والمعتق بعضها، والمكاتبة مثلها، ورأس الحرة وصدرها وأطرافها كالفخذ للأمة، وتؤمر الصغيرة بسترة الكبيرة، والمتنقبة لا تعيد).
وقال ابن الحاجب في جامع الأمهات ص٢٠٥: (ويحرم على المرأة ستر وجهها بنقاب وشبهه وكفيها، ولو سترته بثوب مسدول من فوق رأسها من غير ربط ولا إبرة ونحوها جاز).
وقال ابن الحاجب في جامع الأمهات ص٥٦٩: (ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجا ولا محرما، ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح، ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إن كان وغدا، واستخف في عبد زوجها للمشقة عليها في استتارها).
٤٠ – أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (ت٦٥٦هـ)
قال ابن عمر القرطبي في المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم ج٣ ص٤٤١ عن حديث الخثعمية: (قوله "فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه"، هذا النظر منهما بمقتضى الطباع، فإنها مجبولة على الميل إلى الصور الحسنة، ولذلك قال في رواية "وكان الفضل أبيض وسيما، أي جميلا"، وصرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر منع له من مقتضى الطبع، ورد له إلى مقتضى الشرع، وفيه دليل على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وأنها لا يجب عليها ستره وإن خيف منها الفتنة، لكنها تندب إلى ذلك، بخلاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الحجاب عليهن كان فريضة).
وقال ابن عمر القرطبي في المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم ج٥ ص٤٩٧: (قلت: وهذا الحجاب الذي أُمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وخصصن به هو في الوجه والكفين، قال القاضي عياض: "لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين"، الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره، قالوا: "ولا يجوز لهن [أي أمهات المؤمنين] كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا ظهور أشخاصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج إلى البراز، وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب، وإذا خرجن لحاجة حُجبن وسُترن" .. وقوله: "قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" لا خلاف في أن المرأة تخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة، لكنها تخرج على حال بذاذة وتستر وخشونة ملبس، بحيث يستر حجم أعضائها، غير متطيبة ولا متبرجة بزينة، ولا رافعة صوتها، وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان، لما يظهرهن من الزينة والطيب والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان، فإن قيل: فما الزينة التي استثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" ؟ فالجواب: إن ذلك اختلف فيه .. والكل محوّمون على أن المستثنى هو ما يتعذر ستره إما عادة وإما عبادة، وقد دل على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره قول الله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ"، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ" .. فرع: إذا قلنا إن الوجه والكفين ليسا بعورة وإنه يجوز كشفهما، فإذا كانت بارعة الجمال وجب عليها أن تستر وجهها لئلا تفتن الناس فتكون من المميلات اللواتي قد توعدن بالنار، وللكلام في هذا متسع، وفيما ذكرناه مقنع).
٤١ - أبو عبدالله القرطبي صاحب التفسير (ت٦٧١هـ)
قال القرطبي في تفسيره في ج١٧ ص ٢٢٩ في تفسير آية الجلابيب في سورة الأحزاب: (لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكان يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبا أو شابا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية بسبب ذلك، قال معناه الحسن وغيره)، ثم قال في ج١٧ ص ٢٣٢ عن قوله تعالى: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ"، قال: (أي الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة قد تقنعت ضربه بالدرة، محافظة على زي الحرائر).
وقال أبو عبدالله القرطبي في تفسير آية الزينة في سورة النور ج١٥ ص٢١٠: (فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا المرأة إلى الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها، وقصدها منه كقصده منها)، والنظر الذي يقصده هو النظر إلى ما زاد عن الوجه والكفين، أما حكم النظر إلى الوجه والكفين فقد بيّنه بقوله في ج١٥ ص٢١٣: (قال ابن عطية: "ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ويقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه" قلت [أي القرطبي]: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه سولم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه، فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس، فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها، والله الموفق لا رب سواه، وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: "إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها"، ثم قال: "من الزينة ظاهر وباطن، فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب"، وقد ذكرنا ما للعلماء فيه، وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية، أو حل محلهم).
٤٢ – شهاب الدين القرافي (ت٦٨٤هـ)
قال القرافي في الذخيرة ج٢ ص١٠٥: (القسم الثالث: الحرائر، في الجواهر أجسادهن كلها عورة إلا الوجه والكفين، قال في الكتاب: "إذا صلت بادية الشعر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت"، وقال أشهب في المجموعة: "أو بعض الفخذ أو البطن"، وقال ابن نافع في العتبية: "لا إعادة عليها"، ووافقنا الشافعي في أن القدمين عورة وخالفنا أبو حنيفة، لنا ما في الموطأ عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: "تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها" وقد رفعه أبو داود للنبي صلى الله عليه وسلم. فروع خمسة. الأول: قال في الكتاب: "إذا صلت متنقبة لا إعادة عليها"، قال ابن القاسم: "ذلك رأيي والتلثم كذلك"، ونهى الشافعي عنه وأوجب ابن حنبل تغطية وجهها وكفيها، لنا أن ذلك ليس عورة في الإحرام فلا يكون عورة في الصلاة، ويستحب كشفه لمباشرة السجود، والتلثم يستر الأنف، وفي الموطأ عن سالم بن عبد الله كان إذا رأى إنسانا يغطي فاه في الصلاة جبذ الثوب عنه حتى يكشف فاه)، وذكره لقول الإمام أحمد يفيد أن عورة المرأة في الصلاة هي عورتها خارجها أمام الأجانب.
وقال القرافي في الذخيرة ج٢ ص٤٥٠: (والكبيرة لا يغسلها الأجنبي ولا تغسله، بل ييممها إلى الكوعين لأنه مباح لذوي المحارم من المرأة، وتيممه إلى المرفقين).
وقال القرافي في الذخيرة ج٣ ص٢٢٨: (وإحرام الرجل في رأسه، والمرأة في وجهها ويديها، ويكره للمحرم تغطية ما فوق ذقنه .. قال سند: "يجب على الرجل كشف رأسه عند مالك والأئمة .."، ولا تكشفه المرأة عندهم لأنه عورة منها، ويكشف الرجل وجهه عند مالك .. وإحرام المرأة في وجهها اتفاقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتنقب المحرمة").
وقال القرافي في الذخيرة ج٣ ص٣٠٧: (والمحرمة في تغطية وجهها كالرجل، ولها شد ردائها من فوق رأسها على وجهها للستر وإلا فلا).
وقال القرافي في الذخيرة ج١٠ ص١٥٤: (في الجواهر: لا يجوز تحمل الشهادة على المرأة المتنقبة، بل لا بد من كشف وجهها لتعرفها عند الأداء بالمعرفة المحققة).
وقال القرافي في الذخيرة ج١٣ ص٣١٦: (ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها، لقوله تعالى: "وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، إلا أن يكون له منظر فيُكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تواكله إن كان وغدا دنيا يؤمن منه التلذذ بها بخلاف الشاب الذي لا يؤمن).
٤٣ - ابن عسكر (ت٧٣٢هـ)
قال ابن عسكر في إرشاد السالك ج١ ص١٥: (والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها).
وقال ابن عسكر في إرشاد السالك ج١ ص٤٦: (تلزم المحرم الفدية بلبس المخيط لبسا معتادا ولو بإدخال كتفيه القباء ولبس الخف إلا أن يقطعه أسفل من الكعب، والترفه بحلق شعر وتقليم ظفر وإزالة شعث وتطيب، وتغطية الرجل رأسه أو وجهه، والمرأة وجهها وكفيها، واكتحالها لغير ضرورة، ولها لبس المخيط والخف وسدل ثوب على وجهها غير مربوط خوف فتنتها).
٤٤ - تاج الدين الفاكهاني (ت٧٣٤هـ)
قال تاج الدين الفاكهاني في رياض الأفهام ج١ ص٥٣١ في خروج النساء إلى صلاة الجماعة: (الخامس: فيه دليل على خروج النساء للمساجد لصلاة الصبح، وينبغي أن تقاس عليها العشاء الآخرة لكونها في معناها من حيث وجود الظلمة فيها، وهذا كله بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عجزا أو شواب، وقد كره بعضهم للشواب الخروج لذلك، وهو الأليق بزماننا، وقد قال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط: أن يكون ذلك لضرورة، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن لا يظهر عليها ريح الطيب، وأن يكون خروجها في طرفي النهار، وأن تمشي في أطراف الطريق دون وسطه، أو قريبا من هذا والله أعلم).
قال تاج الدين الفاكهاني في رياض الأفهام ج١ ص٥٦٠ في لبس المحرمة للقفازين: (واختلف أصحابنا إذا لبستهما المرأة في وجوب الفدية على قولين، والمعروف وجوبها، لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، ولم يختلفوا في الرجل إن لبسهما أن عليه الفدية، وكذلك ليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام، فإن فعلت شيئا من ذلك افتدت، والله أعلم).
قال تاج الدين الفاكهاني في شرح الرسالة ص١١٠ (مخطوط – ترقيم يدوي) في المرأة تموت مع رجال ليس فيهم ذو محرم لها: (إذا لم يكن مع المرأة إلا رجال أجانب فإنهم ييممونها إلى الكوعين، لأن جسدها عورة، فلا يجوز لهم كشفه ولا لمسه، وذراعاها كذلك في حق الأجانب فلذلك اقتصروا في تيممها على الكوعين، لأن الوصول إلى المرفقين في التيمم سنة، ونظر الأجنبي إلى ذراع المرأة محرم، وإذا لزم من فعل السنة محرم لم يجز فعل السنة)، وهذا تصريح منه بجواز النظر إلى الكفين لأنه علل المنع من تيمم ما زاد عن الكوعين بأنه عورة لا يجوز كشفه.
وقال ابن ناجي في شرحه على متن الرسالة ج٢ ص٤٣٢: ("ومن الفرائض غض البصر عن المحارم، وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظر إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها"، الأصل في غض البصر قوله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" النور .. قال الفاكهاني: {وأحسن الشيخ رحمه الله في قوله "بغير تعمد"، لأن النظرة تعمدا حرام وإن كانت الأولى}، وأما المتجالة فيجوز النظر إليها لقوله تعالى: "وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً" النور"،"وقد أرخص من ذلك للخاطب)، وكلام الفاكهاني هنا عن النظر المتعمد إلى العورة كالساق والشعر والصدر، وليس النظر إلى الوجه والكفين.
٤٥ - ابن الحاج (ت٧٣٧هـ)
قال ابن الحاج في المدخل ج٢ ص١٦٧: (ويتعين على الزوج أو الولي أن يمنع ما أحدثه النساء من تزيينهن للحواجب بما يمنع وصول الماء إلى البشرة، سيما إن كان نجسا، إذ أن ذلك محرم اتفاقا، وأما النقش والتكتيب فلا شك في منعه لأنه نجس وحائل، ويزيد على ما ذكر بكشف العورة لأجله، إذ أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفها، واختلف في حالها مع النساء مثلها من المسلمات فقيل: كالرجل مع المرأة الأجنبية، وقيل كالرجل مع الرجل)، وهذا تصريح بجواز كشف الوجه واليد، فالفرق بين تزيين الحواجب وبين النقش والتكتيب أن الأول ليس فيه كشف عورة.
وقال ابن الحاج في المدخل ج١ ص١٣١ عن أحكام اللباس: (فهذا نص صريح منه عليه الصلاة والسلام أنه لا يجوز للإنسان أن يزيد في ثوبه ما ليس فيه حاجة إليه، إذ أن ما تحت الكعبين ليس للإنسان به حاجة فمنعه منه، وأباح ذلك للنساء، فلها أن تجر مرطها خلفا شبرا أو ذراعا للحاجة الداعية إلى ذلك، وهي التستر والإبلاغ فيه، إذ أن المرأة كلها عورة إلا ما استثني، وذلك فيها بخلاف الرجال)، إلى أن قال في ١٣٩: (وإن كان ممن يحتاج مع العمامة إلى طيلسان فتجد بعضهم قد خنق نفسه به، ويتفقده في كل وقت وحين من جوانب خديه أن يكون مال إلى أحد الجانبين فيظهر وجهه للناس، كأنه امرأة تحتجب تخاف أن تبين وجهها للرجال، حتى إن بعضهم ليغرز الإبر في الطيلسان مع العمامة حتى لا يكشفه الهواء عن رأسه ووجهه، وهكذا تفعل المرأة بالقناع والخمار سواء بسواء، تمسك ذلك بالإبر وتتحفظ على نفسها أن تنكشف رأسها من قناعها أو يبين وجهها لغير محارمها، وقد وقع النهي عن تشبه الرجال بالنساء )، ثم قال في أحكام العمامة في ص ١٤٢: (فليس اللبس من قبيل المباح مطلقا، ألا ترى أن الفرض منه في حق الرجل أن يستر من سرته إلى ركبته وفي حق المرأة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، والسنة في حق الرجل أن يستر جميع جسده على الوجه المشروع فيه، فهو مطلوب بذلك لأجل الامتثال).
وقال ابن الحاج في المدخل ج١ ص٢٤٢: (وحكم المرأة مع المرأة على المشهور كحكم الرجل مع الرجل، وحكمهما أن من السرة إلى الركبة لا يكشفه أحدهما للآخر بخلاف سائر البدن، فتكون قد ارتكبت النهي فيما بين السرة إلى حد السراويل، اللهم إلا أن يكون الثوب كثيفا لا يصف ولا يشف، وقد اتخذ بعضن هذا السراويل عند الخروج ليس إلا، وأما في البيت فتقعد بدونه، وهي لا تخلو إما أن يكون البيت لا يدخله غير زوجها، أو هو وغيره، فإن كان الأول فذلك جائز لها في غير الصلاة .. وإن كان الثاني مثل أن يكون معها جارية في اليت أو عبد أو أخ أو ولدان أو غير ذلك فلا يجوز لها ذلك، لأن المرأة كلها عورة إلا ما استُثني من ظهور أطرافها لذي المحارم)، فاستثناء الأطراف لذوي المحارم، واستثناء الوجه والكفين للأجانب.
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج١ ص٣٠١: (ومقتضى كلام سيدي أبي عبدالله بن الحاج أن هذا الخلاف إنما هو في المسلمة مع المسلمة، وأما الكافرة فالمسلمة معها كالأجنبية مع الرجل اتفاقا).
وقال أبو القاسم البرزلي في فتاويه ج٢ ص٢٥٩: ([قال] ابن الحاج: "نظر الرجل إلى المرأة والعكس محظور إلا عند الضرورة كالشهادة").
وقال ابن الحاج في المدخل ج٤ ص٢٠٣ في سفر المرأة للحج: (وكثير من الناس من يعتقد أن نزول المرأة وركوبها عورة مطلقا لما يتوقع من كشفها ونظر غير المحارم لها، وهذا ليس على إطلاقه، إذا لا غيرة في هذا الزوج ولا محرم، لأن الله عز وجل أغير من زوجها ومن ذي محارمها [قال] عليه الصلاة والسلام: "لا أحد أغير من الله"، وقد أمرهن الله عز وجل أن يصلين على الوجه الذي أمرهن به، ولم يرخص لهن في ترك الصلاة ولا في إخراجها عن وقتها أو صلاتها على المحمل لعذر من الأعذار إلا ما ذكر قبل، فيجب عليها أن تنزل إلى فعل الطهارة، فإن تعذر عليها فعلتها على الراحلة، ويجب عليها النزول لأداء الصلاة، وتستتر جهدها، ويحرم في حق الرجال الأجانب النظر إليها)، وهذا تصريح بتحريم نظر الأجنبي إلى المرأة حتى لو لم يجب عليها ستر وجهها وكفيها.
٤٦ - ابن جزي (ت٧٤١هـ)
قال ابن جزي في تفسير آية الزينة في سورة النور ص٨٩: (نهى عن إظهار الزينة بالجملة، ثم استثنى الظاهر منها وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك، فقيل: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" يعني: الثياب، فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك، لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين).
وقال ابن جزي في تفسير آية الجلابيب في سورة الأحزاب ص١٩٧: (كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء، والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها، وقيل أن تغطي نصف وجهها، "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ": أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء، فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، إنما المراد أن يفرق بينها وبين الأمة لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء، وربما تعرض لهن السفلة).
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية ص٤٠: (أما المستور فهو العورة ويجب سترها عن أعين الناس إجماعا، وفي وجوب الستر في الخلوات قولان، وأما الصلاة فالصحيح من المذهب وجوبها وفاقا لهم، إلا أنه اختلف في إعادة من صلى مكشوف العورة هل يعيد في الوقت أو في الوقت وبعده، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة وفاقا لهما، واختلف هل تدخل السرة والركبة أم لا ؟ وقيل السوأتان خاصة، وأقل ما يجزئ من اللباس في الصلاة ستر العورة، والأفضل تغطية سائر جسده ولو بثوب واحد على كتفيه، والأكمل زيادة الرداء وتتأكد للإمام، وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين، وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل، وأقل ما يجزيها ثوب يستر جسدها حتى ظهور القدمين وقناع في رأسها)، وذكره لقول الإمام أحمد يثبت أن العورة داخل الصلاة هي العورة أمام الأجانب.
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية ص٢٩٤: (الفصل الأول: في حكم النظر، وهو أربعة أقسام، الأول: نظر الرجل للمرأة، فإن كانت زوجته أو مملوكته جاز له أن ينظر إلى جميع جسدها حتى فرجها، وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح، وإن كانت سيدته جاز له أن يرى منها ما يرى ذو المحرم إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولا يدخل الخصي على المرأة إلا إن كان عبدها أو عبد زوجها، وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من المتجالة الوجه والكفين، ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة، الثاني: نظر المرأة إلى الرجل فإن كان زوجها أو سيدها جاز أن ترى منه ما يرى منها، وإن كانت ذات محرم أو سيدته جاز أن ترى منه جسده كله إلا عورته، وإن كانت أجنبية ؛ فقيل حكمها حكم الرجل مع ذوات محارمه، وقيل كنظر الرجل إلى الأجنبية، الثالث: نظر الرجل إلى الرجل، الرابع: نظر المرأة إلى المرأة، فيمنع النظر إلى العورة ويجوز ما سواها في الوجهين. الفصل الثاني: فيما زاد على النظر، أما الخلوة فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليست زوجته ولا ذات محرم منه، وأما المجالسة والمؤاكلة فلا تجوز مع من يمنع النظر إليه إلا لضرورة، ولا يجوز أن تؤاكل المرأة عبدها إلا إذا كان وغدا دنيئا يؤمن منه التلذذ بالنساء بخلاف من لا يؤمن ذلك منه).
٤٧ - أبو حيان الأندلسي (ت٧٤٥هـ)
قال أبو حيان في البحر المحيط ج٦ ص٤١٢ في تفسير آية النور: (ثم ذكر تعالى حكم المؤمنات في تساويهن مع الرجال في الغض من الأبصار وفي الحفظ للفروج، ثم قال: " وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ"، واستثنى ما ظهر من الزينة، والزينة ما تتزين به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لمن استثنى، وذكر الزينة دون مواضعها مبالغة في الأمر بالتصون والتستر لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الساق والعضد والعنق والرأس والصدر والآذان، فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر لا يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل النظر إليها غير ملابسة لها، وسومح في الزينة الظاهرة لأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيدها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها خاصة الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله: "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، يعني: إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وسومح في الزينة الخفيفة أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ولما في الطباع من النفر عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك، وقال ابن مسعود: "ما ظهر منها هو الثياب"، ونص على ذلك أحمد، قال: "الزينة الظاهرة: الثياب"، وقال تعالى: " خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ" الأعراف، وفسرت الزينة بالثياب، وقال ابن عباس: "الكحل والخاتم"، وقال الحسن في جماعة: "الوجه والكفان": وقال ابن جريج: "الوجه والكحل والخاتم والخضاب والسوار"، وقال الحسن أيضا: "الخاتم والسوار"، وقال ابن عباس: "الكحل والخاتم فقط"، وقال المسور بن مخرمة: "هما والسوار"، وقال الحسن أيضا: "الخاتم والسوار"، وقال ابن بحر: "الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله وعلى ما يتزين به من فضل لباس"، فنهاهن الله عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم، واستثنى ما لا يمكن اخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف على غير التلذذ، وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة، والأقرب دخوله في الزينة، وأيّ زينة أحسن من خلق العضو في غاية الاعتدال والحسن، وفي قوله: "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ" دليل على أن الزينة ما يعم الخلقة وغيرها: منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار، وقد يقال لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورها عادة وعبادة في الصلاة والحج حسُن أن يكون الاستثناء راجعا إليهما، وفي السنن لأبي داود أنه عليه السلام قال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه، وقال ابن خويز منداد: "إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك"، وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهر فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن).
وقال أبو حيان في تفسير آية الأحزاب ج٧ ص٢٤٠: (كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار، وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، يقولون حسبناها أمة، فأُمِرْن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصعدات لرؤية النساء ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت. قيل: والجلابيب الأردية التي تستر من فوق إلى أسفل، وقال [سعيد] ابن جبير: "المقانع"، وقيل: الملاحف، وقيل: الجلباب كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل: كل ما تستتر به من كساء أو غيره، قال أبو زيد: "تجلببت من سواد الليل جلبابا"، وقيل: الجلباب أكبر من الخمار، وقال عكرمة: "تلقي جانب الجلباب على غيرها ولا يرى"، وقال أبو عبيدة السلماني حين سئل عن ذلك فقال: "أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها"، وقال السدي: "تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين" انتهى، وكذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة، وقال الكسائي: "يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن"، أراد بالانضمام معنى الإدناء، وقال ابن عباس وقتادة: "وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف" وإن ظهرت عيناها، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، والظاهر أن قوله: "وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ" يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح، ومِنْ في "مِن جَلَابِيبِهِنَّ " للتبعيض، و "عَلَيْهِنَّ" شامل لجميع أجسادهن، أو "عَلَيْهِنَّ": على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه، "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ" لتسترهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن ؛ لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها، بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها: "وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" تأنيس للنساء في ترك الاستتار قبل أن يؤمر بذلك).
٤٨ - أبو عبدالله محمد بن عبدالسلام الهواري (ت٧٤٩هـ)
قال ابن عبدالسلام الهواري في تنبيه الطالب ج١ ص٢٢٩: (قوله: "وعورة المرأة ما عدا الوجه والكفين"، هذا مما لا خلاف فيه في المذهب، وقوله: "والأمة كالرجل بتأكد"، الباء التي في قولك: "جاء زيد بثيابه" والأمة هنا هي القن، والتأكد إنما يتحقق إذا كان حكم المستور الندب، وأما إذا كان الوجوب فلا تأكد على حقق في أصول الفقه).
وقال ابن عبدالسلام الهواري في تنبيه الطالب ج١ ص٥١٢ في المرأة تموت في سفر ومعها رجال لا محرم فيهم: (وقوله: "والمرأة .. إلى آخره" يعني: أنها مع الرجال غير المحارم كالرجل مع نساء غير محارم، إلا أن الرجل ييمم إلى المرفقين، وتيمم المرأة إلى الكوع، لأنه يجوز لها النظر إلى ذراع الأجنبي، ولا يجوز له النظر إلى ذراعها).
وقال ابن عبدالسلام الهواري في تنبيه الطالب ج٣ ص٣٣٢: (وقوله: "ويحرم على المرأة ستر وجهها .. إلخ" مما صححه الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين"، ولا خلاف أنها ممنوعة من تغطية وجهها لغير ضرورة، إلا شيئا عن بعض المتقدمين وهو قابل للتأويل، وأما قول المؤلف: "ولو سترته بثوب مسدول من فوق رأسها" فهو احتراز من أن ترفعه من أسفل، فإن رفعته فهو التنقب المنهي عنه في الحديث، وألزمها في ذلك الفدية في المدونة، أعني إذا رفعته، والضمير في "قال" عائد على ابن القاسم، والمخفوض في قوله "رأيه" راجع إلى مالك، ومعنى الكلام أن ابن القاسم ما علم رأي مالك هل يلزمها أن تجافي الثوب عن وجهها كما ألزمها الشافعية ذلك، وإذا اقتصر على هذا الكلام – كما فعل المؤلف – لم يفد، إلا أن ابن القاسم شك في رأي مالك في ذلك، وظاهر المدونة أن ابن القاسم أراد به نفي لزوم التجافي عند مالك، كما في المدونة: "ولا علمت أنه كان ينهاها عن أن يصيب الرداء وجهها"، وظاهر كلام المؤلف أيضا أن هذا للمرأة جائز من غير ضرورة، وإنما أجاز لها في المدونة وغيرها بشرط إرادة الستر، أي إذا لقيها أجنبي، وإذا لم ترد الستر فلا تفعله، وذكر أبو داود في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على رأسها وعلى وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه"، إلا أن في إسناده من لا يحتج به).
٤٩ - محمد بن هارون التونسي (ت٧٥٠هـ)
قال ابن عرفة في المختصر الفقهي ج٢ ص٢١٥ في إحرام المرأة: (وتعقب ابن هارون وابن عبدالسلام جَعْلَ ابن الحاجب المذهبَ: جواز سترها بسدل ثوبها دون عقد ولا إبرة بعدم تقييده بكونه عن رؤية أجنبي لقيها، يرد بأن لفظ الستر يستلزمه، ولذا جعل في المدونة كونه لستر قسيم كونه لحر أو برد).
٥٠ - خليل بن إسحاق (ت٧٧٦هـ)
قال خليل في مختصره ص٣٠: (وهي من رجل وأمة - وإن بشائبة - وحرة مع امرأة: ما بين سرة وركبة، ومع أجنبي: غير الوجه والكفين، وأعادت لصدرها وأطرافها بوقت ككشف أمة فخذا لا رجل، ومع محرم: غير الوجه والأطراف، وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه، ومن المحرم كرجل مع مثله، ولا تطلب أمة بتغطية رأس، وندب سترها بخلوة، ولأم ولد وصغيرة ستر واجب على الحرة)، وهذا نص في اتحاد العورات الثلاث: عورة الصلاة وعورة الستر وعورة النظر، قال الخرشي في شرح مختصر خليل (مطبوع معه حاشية العدوي) ج١ ص٢٤٦ شارحا لكلام خليل: (فإن قلت هذا بيان للعورة التي يجب سترها في الصلاة لا لها وللعورة التي لا ترى ؛ قلت: يرده قوله "وحرة مع امرأة" فإنه في العورة التي لا ترى، إذ عورة الحرة في الصلاة جميع جسدها ما عدا وجهها وكفيها كما يأتي .. ص: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين". ش: معطوف على امرأة، والمعنى: أن عورة الحرة مع الرجل الأجنبي جميع بدنها حتى دلاليها وقصتها ما عدا الوجه والكفين ظاهرهما وباطنهما، فيجوز النظر لهما بلا لذة ولا خشية فتنة من غير عذر ولو شابة)، وقال علي العدوي في حاشيته على شرح الخرشي لمختصر خليل ج١ ص٢٤٦: (قوله: "بالنسبة للرؤية وللصلاة" الأحسن قصره على الرؤية، لأن الصلاة الحالة فيها واحدة)، وقال القصري في نوازله ج١ ص٢٨٤ (٣٠٦) [١٥]: (وعورة الحرة التي يجب على الأجنبي غض بصره عنها هي المشار إليها بقول الشيخ خليل: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين" اهـ، وأما الوجه والكفان فيجوز النظر إليهما من غير عذر، ولو شابة إلا لخوف فتنة أو قصد لذة)، وقال محمد عليش في منح الجليل ج١ ص٢٢١ في عورة الصلاة: ("و" هي من حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم جميع جسدها "غير الوجه والكفين" ظهرا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة)، وقال الآبي في جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ج١ ص٤١: ("و" هي من حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم: جميع جسدها "غير الوجه والكفين" ظهرا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة، فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة).
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج١ ص٣٠١: (وعورة الحرة ما عدا الوجه والكفين: هذا بالنسبة إلى الرجل، وأما حكمها مع النساء فالمشهور أنها كحكم الرجل مع الرجل، وقيل كحكم الرجل مع ذوات محارمه، وقيل كحكم الرجل مع الأجنبية، ومقتضى كلام سيدي أبي عبد الله بن الحاج أن هذا الخلاف إنما هو في المسلمة مع المسلمة، وأما الكافرة فالمسلمة معها كالأجنبية مع الرجل اتفاقا، وحكم المرأة فيما تراه من الأجنبي كحكمه فيما يراه من ذوات محارمه، قال في البيان في باب النكاح: "وقيل كحكمه فيما يراه منها"، قال: "وهو بعيد"، قال: "ويلزم عليه ألا ييمم النساء الرجال الأجنبيين إلا إلى الكوع وهو مما لا يوجد في شيء من مسائلها"، وحكم المرأة فيما تراه من ذوي محارمها كالرجل مع الرجل، والأمة كالرجل بتأكد)، ونقله للاعتراض على أن المرأة لا ترى ذراع الرجل بأنها تيمم ذراعه بعد الموت يقتضي أن العورة قبل الموت وبعده واحدة حتى مع وجود الضرورة.
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج٢ ص١٢٦ في غسل الميت: ("والمرأة مع رجال غير محارم كذلك إلا أنها تُيَمم إلى الكوع"، لأن ذراعها عورة بخلاف وجهها وكفيها، بدليل إظهارهما في الصلاة والإحرام، وجاز لكل واحد منهما أن ينظر وجه صاحبه وإن كان ممنوعا في الحياة للضرورة، والله أعلم)، وظاهر هذا النص تحريم النظر إلى وجه الأجنبية، ولكن ضمه مع ما سبق وما يلحق يقتضي حمله على الكراهة، كما يحتمل أن تكون الإباحة للنظر واللمس معا وليس النظر وحده.
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج٢ ص٤٩٣ تعليقا على قول ابن الحاجب: " ويحرم على المرأة ستر وجهها بنقاب وشبهه وكفيها، ولو سترته بثوب مسدول من فوق رأسها من غير ربط ولا إبرة ونحوها جاز، قال: (وما علمت رأيه في تجافيه أو إصابته" .. قوله: "ولو سترته .. إلخ" يريد بشرط أن تقصد الستر، قال في المدونة: "والمحرمة إذا غطت وجهها مثل الرجل، ووسع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن لم ترد سترا فلا تسدل .. وقوله في المدونة: "إذا أرادت سترا" احترازا مما لو فعلته لحر أو برد، فإن فيه الفدية، نص عليه في الموازية وغيرها، قال في المدونة: "وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت"، لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل).
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج٣ ص٨٠: ("وللمرأة لبس الخفين، وفي القفازين الفدية على المشهور"، أما لبس الخفين للمرأة فظاهر، إذ هي مأمورة بستر جسدها كله إلا وجهها وكفيها)، وفي هذا تصريح بجواز الكشف.
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج٣ ص٥٣٥: (فرع: يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد وللطبيب ونحوه وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره، قالوا: ولا يباح للخاطب أن ينظر إليها إلا إلى وجهها وكفيها)، ويظهر أن المقصود بكلامه هنا هو النظر إلى ما زاد عن الوجه والكفين، بدلالة ذكر الطبيب، وبدلالة تحديد ما يراه الخاطب منها وهو الوجه والكفان).
وقال خليل في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب ج٤ ص٥١٦: (وعلى المشهور: "يجوز أن يكون المظاهر معها إن أُمن عليها"، أي: وعلى المشهور من عدم جواز الاستمتاع بالمظاهَر منها .. يجوز أن يكون المظاهر معها، قال في المدونة: "ويجوز أن يكون معها في بيت، ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته، فتجوز المساكنة معها، وزاد في العتبية: الخدمة بشرط الاستتار"، قال في المدونة: "ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفر، وجائز أن ينظر إلى وجهها"، وفي الجلاب: "ولا بأس أن ينظر إلى الرأس والوجه والقدمين وسائر الأطراف"، قال مالك في العتبية: "له النظر إلى شعرها"، وأشار عياض إلى أن إجازة النظر مشروطة بأن لا يقصد بذلك اللذة، وأما إن قصدها به فهو ممنوع كالمباشرة).
٥١ – أبو العباس القباب الفاسي (ت٧٧٨هـ)
قال القباب الفاسي في شرح الإعلام بحدود قواعد الإسلام ص٤١١: (أما حكم ستر العورة عن أعين البشر ففرض بإجماع .. وأما حكمه بالنسبة إلى الصلاة فحكى المازري عن القاضي إسماعيل وابن بكير والأبهري أن ذلك من سنن الصلاة .. وأما تحديد العورة فإن المكلفين رجال ونساء، والنساء حرائر وإماء .. وأما النساء الحرائر قال المازري: "كلها عندنا عورة إلا الوجه والكفين"، واتفقوا أن تؤمر ابتداء بستر صدرها وشعرها وظهور قدميها، وأما الأمة فقال مالك في المدونة: "إنها لا تصلي إلا بثوب يستر جميع جسدها وتصلي بغير قناع"، فجعلها أخفض رتبة من الحرة التي لا تصلي إلا بقناع، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: "إن مبلغ عورتها مبلغ عورة الرجل"، وقالوا: "لو صلت مكشوفة البطن ما ضرها"، والستر موضوع عنها عند الرجال)، وسياق كلامه واضح في اتحاد عورة الصلاة مع عورة الستر.
وقال القباب الفاسي في شرح الإعلام بحدود قواعد الإسلام ص١٤٠٥: (وقال في موضع آخر منها [أي المدونة]: .. "ووسع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن لم ترد سترا فلا تسدل"، وحكى اللخمي عن أبي مصعب وابن القصار وعبدالوهاب ألا شيء عليها، قال: "والأول أحسن" لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي وقصته راحلته: "لا تخمروا وجهه". ذكره مسلم، ولأن المرأة أحق بالستر، وقد أمرت ألا تستر وجهها .. قال أبو عمر [في الاستذكار]: "لم يختلف العلماء في كراهة التبرقع والنقاب للمرأة وهي محرمة، وروي عن عائشة أنها قالت تغطي المحرمة وجهها إن شاءت، وعنها لا تفعل، وعليه الناس"، قال ابن المنذر: "أجمع العلماء أنها تلبس المخيط، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها تغطية رأسها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفا تستتر عن نظر الرجال، ولم يجيزوا لها تغطية وجها إلا ما روي عن بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن مع أسماء"، قال: "ويحتمل أن يكون كما روي عن عائشة: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا مر بنا راكب سدلنا الثوب من قبل رؤوسنا، فإذا جاوزناه رفعناه").
وقد اختصر القباب كتاب إحكام النظر بأحكام النظر للإمام القطان الذي نص فيه على إباحة كشف وجه المرأة وإباحة النظر إليه، قال فيه: (وقد قدمنا أنه جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها، فإذاً النظر إلى ذلك جائز، لكن بشرط أن لا يخاف فتنة ولا يقصد لذة)، وهو تصحيف يسير لكلام ابن القطان الذي مر سابقا.
٥٢ - الوغليسي (ت٧٨٦هـ)
قال الوغليسي في المقدمة الوغليسية ص ٤٧ في شروط الصلاة (٢٠): (وستر العوارت، ويستر الرجل من السرة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين، فيجب عليها أن تستر جميع جسدها، إلا إنها إذا صلت مكشوفة الرأس أو الرجلين أو اليدين أو الصدر أعادت في الوقت. فلا يجوز للمرأة أن يراها أحد إلا ذوو المحارم خاصة، وهم الذين لا يجوز لهم نكاحها، فيجوز أن يروا رأسها وأطرافها ويخلوا بها، ولا يجوز ذلك للأجنبي، وأما الوجه فليس بعورة، إلا أنها إن كانت جميلة الصورة، أو صغيرة فلا يجوز أن ترى، وإن كانت عجوزا جاز أن يراها ويسلم عليها، ولا يسلم على الصغيرة).
وقال الوغليسي في الوغليسية في باب حفظ الجوارج ص٥٩: (حفظ البصر: ومنها العين، فلا ينظر بها إلى ما لا يحل، فمن ذلك النظر إلى العورات، والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، هذا للأجنبي، وأما ذوو المحارم فيجوز لهم من المنحر إلى الرأس وأطرف اليدين والرجلين، وأما غير ذلك من الصدر والأكتاف ونحوها فلا يجوز. ولا يجوز للشاب الأجنبي النظر إلى الوجه خوف الفتنة، إلا أن تكون عجوزا أو سوداء ونحوها، والنظر بالالتذاذ فيمن لا يحل الالتذاذ به .. وغير ذلك).
٥٣ - ابن فرحون (ت٧٩٩هـ)
قال ابن فرحون في المسائل الملقوطة من الكتب المبسوطة ص١٧٠: (مسألة: ثلاثة يجوز لهم النظر إلى الأجنبية: الشاهد، والطبيب ونحوه، والخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، وعلى القول بالجواز فيجوز في الوجه والكفين) وعزاه للتوضيح، وهو نفس كلام خليل بن إسحاق السابق، وقد مر التنبيه إلى أن المقصود هو النظر إلى ما زاد عن الوجه والكفين بدلالة ذكر الطبيب، وبدلالة قصره على الوجه والكفين للخاطب.
٥٤ - بهرام الدميري (ت٨٠٢هـ)
قال بهرام الدميري في الشامل في فقه الإمام مالك ج١ ص٩٦: (الثالث: ستر العورة مع الذكر والقدرة على المعروف، وقيل: سنة، وفي القبس: "ليس من شروطها على المشهور"، ونحوه للتونسي، ويجب أيضا بخلوة، وقيل: يندب، وعلى الندب في وجوبه في الصلاة قولان، وقيل: إنما الخلاف في الشرطية، فعليهما يعيد أبدا إن صلى بادي العورة، وعلى نفيها بوقت. والعورة لرجل ما بين سرته وركبتيه على المشهور، وقيل: يدخلان، وقيل: السوءتان خاصة، وقيل: مع الفخذين، وقال أبو الفرج: ستر جميع البدن واجب. ولحرة مع أجنبي ما عدا الوجه والكفين، فإن صلت بادية الصدر والأطراف أعادت بوقت لا متنقبة ومتلثمة، ومع محرم ما عدا الوجه والطرف، ومع امرأة ما بين سرة وركبة، وقيل:كمحرم، وقيل: كأجنبي، وقيل: أما مع كافرة فكأجنبية مع رجل اتفاقا، وترى من أجنبي وجهه وطرفيه، وقيل: وجهه وكفيه، ومن محرمها ما عدا العورة)،وتطرّقه لما يحل النظر له بعد إيراد حد العورة يدل على اتحاد العورات الثلاث: عورة الصلاة وعورة الستر وعورة النظر في الأصل، واستثنى منه ما يجوز للأجنبية أن تراه من الأجنبي بأنه الوجه والطرفين.
وقال بهرام الدميري في الشامل في فقه الإمام مالك ج١ ص٢٣٢: (وحرُم على امرأة تغطية كف كوجه، إلا كستر من فوقه بلا ربط، وغرز بكإبرة، وإلا افتدت، كأن سترته لحر أو برد أو ترفه).
وقال بهرام الدميري في الدرر في شرح المختصر ص٢٥٦: ("وهي من رجل وامرأة وإن بشائبة"، أي: وحد العورة من الرجل والأمة القن ومن فيها شائبة .. "وحرة مع امرأة" أي: وحكمها معها كالرجل، "ما بين سرة وركبة": راجع إلى المسألتين معا .. "ومع أجنبيي" أي: وعورة الحرة بالنسبة إلى الرجل الأجنبي: ما عدا الوجه والكفين" .. "وترى من الأجنبي" فاعل "ترى" عائد على الحرة، أي: وحكم المرأة فيما تراه من الأجنبي كحكمه فيما يراه من ذوات محارمه، "ومن المحرم"، أي: وترى من المحرم ما يراه الرجل من الرجل وهو ما عدا العورة).
وقال بهرام الدميري في الدرر في شرح المختصر ص٦٤٧: ("حرم بالإحرام على المرأة لبس قفاز"، هذا هو المشهور، "وستر وجه إلا لستر"، أي: وكذلك يحرم عليها أن تستر وجهها في إحرامها، فإن فعلت افتدت، إلا أن تكون قصدت بذلك الستر عن الناس، فإن فعلت ذلك لحر أو برد افتدت، "بلا غرز وربط"، يعني: يشترط عدم غرزها بإبرة أو نحو ذلك وربطها، "وإلا ففدية"، يعني: فلو سترته لا لقصد الستر أو غرزته بإبرة ونحو ذلك أو ربطته افتدت، قال في المدونة: "وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل").
٥٥ - ابن عرفة (ت٨٠٣هـ)
قال ابن عرفة في المختصر الفقهي ج١ ص٢٢١: (والحرة عورة، [قال] الباجي: "ودلالها وقصتها إلا وجهها وكفيها"، ولأبي عمر: "قيل: وقدميها" .. وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل).
وقال ابن عرفة في المختصر الفقهي ج٢ ص٢١٥: (وفيها: إحرامها في يديها ووجهها، وينبغي سدل ردائها عليه من فوق رأسها لستر، لا لحر أو برد، وما علمت رأيه في تجافيه عن وجهها أو إصابته، ولا ترفع عليه خمارها من أسفله، فإن فعلت افتدت لأنه لا يثبت إلا بعقد، قيل: العقد طردي لأنها تلبس المخيط ؟ أجيب بأن ذلك فيما الأصل جواز ستره .. وتعقب ابن هارون وابن عبدالسلام جَعْلَ ابن الحاجب المذهبَ: جواز سترها بسدل ثوبها دون عقد ولا إبرة بعدم تقييده بكونه عن رؤية أجنبي لقيها، يرد بأن لفظ الستر يستلزمه، ولذا جعل في المدونة كونه لستر قسيم كونه لحر أو برد).
وقال ابن عرفة في المختصر الفقهي ج٤ ص٢٣٠ في الطلاق المعلق: (قال فيها مالك: "لا تتزين له، ولا يرى لها شعرا ولا وجها إن قدرت، ولا يأتيها إلا وهي مكرهة .." .. [قال] ابن محرز: "إنما منعه من رؤية وجهها لقصد اللذة كالأجنبي لا لغير اللذة إذ وجه المرأة عند مالك وغيره ليس عورة، قد قال في الظهار: وقد يرى غيره وجهها").
وقال ابن عرفة في المختصر الفقهي ج٤ ص٢٩١: (وللمطلّق أن يرتجع بغير علم المطلقة، ووليها وسيدها إن كانت أمة، وفي عدتها قال مالك: "من طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة لا يتلذذ منها بنظرة أو غيرها، ولا يأكل معها، ولا يرى شعرها، ولا يخلو معها، وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها"، وكان يقول: "لا بأس أن يدخل عليها، ويأكل معها إذا كان معها من يتحفظ بها"، ثم رجع فقال: "لا يفعل". [قال] عياض: {ظاهره منع التلذذ بها على كل حال"، وقال اللخمي: "الباب كله واحد"، وأن قوله اختلف في جميع هذا، وخرج الخلاف في التلذذ بها، وهو بعيد في التلذذ جدا، ويبعد في النظر إلى الشعر والخلوة، وكيف يصح في الخلوة، وقد شرط في إجازة القول بالدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها، وإليه ذهب ابن محرز وغيره من الشيوخ أن الخلاف إنما هو في الجلوس عندها والأكل معها لا في التلذذ بشيء منها، والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقا؛ لأن الأجنبي ينظر إليه} [هنا ينتهي كلام القاضي عياض])، وهذا تصريح بجواز النظر إلى الوجه والكفين إن كان النظر بدون شهوة.
٥٦ - محمد بن خليفة الأبي (ت٨٢٧هـ)
قال الأبي في شرح صحيح مسلم ج٣ ص٤٣٠ عن حديث الخثعمية: ("فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه"، ط [القرطبي]: "هذا النظر هو بمقتضى الطباع، فإنها مجبولة على النظر إلى الصور الحسنة، ولذا قال في بعض الطرق: وكان الفضل أبيض وسيما"، قوله: "فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر" ع [عياض]: "فيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما يخشى فتنته ومنعهم ما ينكر في الدين"، ط [القرطبي]: "وفيه حرمة النظر إلى الأجنبيات، وتغيير المنكر باليد لمن قدر عليه"، ط [القرطبي]: "صرْف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل منع له عن مقتضى الطبع، وردّ إلى مقتضى الشرع"، قلت: الأظهر في صرفه نظر الفضل ليس أنه لوقوع في محرم كما يعطيه كلام القاضي والنووي، وإنما هو لخوف الوقوع كما يعطيه كلام القرطبي، ع [عياض]: "فيه أن إحرام المرأة في وجهها، وفيه رفع الحجاب عن النساء وثبوته على أزواجه صلى الله عليه وسلم لنص الآية، إذ لم يأمرها بستر وجهها، إلا أن يقال إنه كان قبل نزول إدناء الجلابيب بالستر، قال القاضي أبو عبدالله [ابن المرابط]: "الستر للنساء سنة، فرض على أزواجه صلى الله عليه وسلم"، ط [القرطبي]: "وفيه أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام وإن خيف منها الفتنة، لكن تندب إلى ستره، بخلاف زوجاته صلى الله عليه وسلم فإن الحجاب عليهن واجب"، قلت: تقدم معنى قول مالك: "إحرام المرأة في وجهها"، وهو ما أشار إليه القرطبي من كشف وجهها في الإحرام).
وقال الأبي في شرح صحيح مسلم عن حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم ج٣ ص٣٥١ (ط دار الكتب العلمية): ([قال عياض] .. {وفي وضعه يده على وجه الفضل غض البصر للرجال والنساء، ألا ترى إلى قوله: "وكان أبيض وسيما" وأنه بصفة من يُفتتن به، فخاف عليه الصلاة والسلام أن يفتتن بعضهم ببعض، قال بعضهم: وهذا يدل أنه ليس بواجب إذ لم ينهه، قال ابن المرابط: "الاستتار للنساء سنة والحجاب على أزواجه صلى الله عليه وسلم فرض"، وعندي أن فعله ذلك أبلغ من النهي بالقول، ولعل الفضل ينظر نظرا ينكره صلى الله عليه وسلم، وإنما خشي فتنة بعضهم ببعض، أو كان قبل نزول آية إدناء الجلابيب}).
٥٧ - ابن ناجي التنوخي (ت٨٣٧هـ)
قال ابن ناجي التنوخي في شرحه على متن الرسالة ج١ ص٨٤-٨٥: (اعلم أن ستر العورة عن أعين الناظرين لا خلاف في وجوبه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الناظر والمنظور إليه"، وأما سترها في الخلو فالمعروف أن ذلك مستحب، ولم يحك المازري غيره، وقيل إن ذلك واجب، حكاه ابن شاس واختاره ابن عبد السلام لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم فاستحيوا منهم وأكرموهم"، وإذا فرعنا على القول الأول فقيل: إنها تجب في الصلاة، وقيل: لا، وقال ابن بشير: "لا خلاف أن ذلك واجب وإنما الخلاف في الشرطية وعدمها"، وانتقد على اللخمي حكاية الخلاف بالوجوب والسنية) إلى أن قال في ص٨٥: ("وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل". اعلم أن المرأة كلها عورة حتى دلاليها وقصتها، قاله الباجي: ما عدا الوجه والكفين، وقيل: وقدميها، حكاه ابن عبد البر).
وقال ابن ناجي التنوخي في شرحه على متن الرسالة ج١ ص٢٥٤: ("والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا ذو محرم من الرجال فليمم رجل وجهها وكفيها"، ما ذكر من أنها تُيمم هو المنصوص، وألزم اللخمي قول ابن شعبان بأن غسل الميت إنما هو للنظافة: نفي تيمم الميت عموما، وما ذكر من أن منتهى تيممها إلى الكوعين هو المذهب، وأخذ بعض الشيوخ منه أن مسح الذراعين في التيمم ليس بواجب، قال ابن عبدالسلام [الهواري]: "وفيه نظر"، يعني: إنما منع من مسحه كونه عورة، ومسح الذراعين في التيمم مختلف فيه في المذهب، إذ قيل فيهما بالاستحباب فناسب ترك مسحهما هنا لما ذكر، قال: "وانظر كيف جاز للرجل والمرأة الأجنبيين لمس وجه الآخر ويديه مع أنه لا يجوز ذلك في حال الحياة"، ثم سأل نفسه فقال: "إن قلت: أحمله على أنه يجعل على يديه خرقة وحينئذ يضعها على التراب"، وأجاب بأنه "لو كان كذلك لما اقتصر بالتيمم على الكوعين إذا").
وقال ابن ناجي في شرحه على متن الرسالة ج١ ص٣٥٤: (وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها، وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإحرام الرجل في وجهه ورأسه).
وقال ابن ناجي في شرحه على متن الرسالة ج٢ ص٤٣٢: ("ومن الفرائض غض البصر عن المحارم، وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظر إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها"، الأصل في غض البصر قوله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" النور .. قال الفاكهاني: "وأحسن الشيخ رحمه الله في قوله "بغير تعمد"، لأن النظرة تعمدا حرام وإن كانت الأولى، وأما المتجالة فيجوز النظر إليها لقوله تعالى: "وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً" النور"، وقد أرخص من ذلك للخاطب).
وقال ابن ناجي التنوخي في شرحه على متن الرسالة ج٢ ص٤٦٠: (وقال النخعي: "كانوا إذا خرجوا بالجنازة أغلقوا الأبواب على النساء"، وقال ابن عمر: "ليس للنساء في الجنازة نصيب"، وحيث تخرج فإنها لا تخرج إلا بشروط خمسة، الأول: أن يكون خروجها طرفي النهار وما لم تضطر الى الخروج في غيرهما اضطرارا فادحا، الثاني: أن تلبس أدنى ثيابها، الثالث: أن تمشي في حافتي الطريق دون وسطه حتى تبعد عن الرجال، الرابع: أن لا يكون عليها ريح طيبة، الخامس: أن لا يظهر عليها ما يحرم على الرجال النظر إليه غير الوجه والكفين، ما لم يكن النظر إلى وجهها يؤدي إلى الفتنة فيجب عليها ستره).
٥٨ - أبو القاسم بن أحمد البلوي المعروف بالبرزلي (ت٨٤١هـ)
قال أبو القاسم البرزلي في فتاويه ج١ ص٢٠٠ عن دخول النساء للحمام: (ومن هذا المعنى ما سئل عنه عز الدين: هل يحل للنساء النظر للرجال الأجانب من غير حاجة أم لا ؟ وإذا كان في البيت طاق يُنظر منها إليهم فهل يجب على الزوج سد تلك الطاقة ؟ أم يكفيه أن ينهى عن النظر ؟ فأجابه: بأنه لا يجوز للمرأة النظر إلى من يُشتهى ويُخشى الافتتان به، وإذا نهى الزوج عن ذلك فلم تنته لزمه سد الطاق لوجوب إزالة المنكر باليد والفعل إذا لم يغن عن القول، ومتى قدر على الحيلولة بين العاصي وبين عصيانه باليد لزم ذلك، انتهى جوابه، قلت: وما قاله ظاهر إذا خشي الفتنة، وأما إذا لم يخش الفتنة ففي المسألة خلاف فيما يجوز للمرأة أن تراه من الأجنبي وما تراه ذات المحرم من ذي رحمها والعكس، فينظر في حديث فاطمة بنت قيس حين أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد عند ابن أم مكتوم، وحديث "أعمياوان أنتما"، فلا نطول به).
وقال أبو القاسم البرزلي في فتاويه ج٢ ص٢٥٩: ([قال] ابن الحاج: "نظر الرجل إلى المرأة والعكس محظور إلا عند الضرورة كالشهادة"، ونظره لها ليتزوجها من هذا الباب، ولم يجزه مالك، وكرهه وأباحه غيره، ومنه أيضا نظره الأمة ليبتاعها وهو مباح .. وقوله في المدونة في "موت الأجنبي مع ذي محرم فتيممه إلى المرفقين" يحتج به من يرى أنه لا يحل للمرأة أن ترى من الأجنبي إلا ما يراه الرجل من ذوات محارمه، وهو بيّن من هذه المسائل).
٥٩ - ابن مرزوق الحفيد (ت٨٤٢هـ) حفيد ابن مرزوق الخطيب (ت٧٨١)
قال الونشريسي في المعيار المعرب ج١ ص٣٩٦ أو ج١ ص٣٠٦ إلى ص٣١٢: (وسئل سيدي أبو عبد الله بن مرزوق عن قول ابن عبدالسلام [الهواري] في كتاب الجنائز: "انظر كيف جاز لكل واحد منهما مس وجه الآخر ويديه، مع أنه لا يجوز ذلك في الحياة، فإنه مشكل، لأن وجه الحرة وكفيها ليسا بعورة، وكل ما ليس بعورة يجوز مسه وبهذا يظهر وجه قول مالك: "إذا يممها بلغ على كوعها، وتيممه على المرفقين" وما ذلك إلا لأن ذراع الرجل ليس بعورة، فيجوز لها أن تنظر إليه فجاز لها أن تمسه، وذراع المرأة عورة لا يجوز النظر إليه فلم يجز له أن يمسه، وأنكر الحافظ بن القطان قول من قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة نفسه" قائلا: "ما جاز مسه جاز النظر إليه قطعا"، وهكذا تفسيره لقول المصنف: "فإن كان جنبا فقولان"، أي في الصلاة عليه، والذي يظهر في غسله لأن ذكر المسألة في الكلام على غسله، ولأن القولين هكذا حكاهما غير واحد من الأيمة" ؟ فأجاب: "ما أشار إليه الشيخ من النظر ظاهر، لأن تلك المباشرة لما امتنعت حال الحياة وجب أن تمتنع حال الممات، أصله مباشرة غير ما ذُكر من أعضاء التيمم، فكما لا تجوز مباشرة كل من الأجنبي أو الأجنبية جسد الآخر بالغسل بعد الموت لامتناع ذلك منهما في الحياة كذلك، لا تجوز مباشرة أحدهما الآخر بالتيمم لامتناع ذلك في الحياة، والجواب والله اعلم: إنما أباحوا هذا التيمم للضرورة إلى تحصيل طهارة هذا الميت الذي لا ترجى له طهارة بعدها، كما وجهوا به القول بأن الميت أولى بالماء المشترك بينه وبين الجنب الحي منه، وما وجب للضرورة قيّد بقدرها، ولما كان التيمم ينوب عن الطهارتين عند الضرورة اقتصر عليه في هذا المحل جمعا بين مصلحة الميت ومصلحة المنع من مس الأجانب، وكان تيمم المرأة إلى الكوع اقتصارا على أقل ما يجزى في التيمم، لأن طلب الستر في حقها بالنسبة إلى الرجل آكد منه في حق الرجل بالنسبة إليها، ولذلك تيممه هي إلى المرفقين فتوصله غاية التيمم، وإنما قلنا: إن طلب سترها منه آكد من العكس، لأن عورتها بالنسبة إليه جميع جسدها في قول، وفي آخر: ما عدا الوجه والكفين، وحكمها هي فيما تراه منه كحكمه فيما يراه من ذوات محارمه، هذا هو المشهور، وقال ابن رشد في النكاح من البيان: "وقيل كحكمه فيما يراه منها، وهو بعيد، ويلزم عليه أن لا ييمم النساء الرجال الأجنبين إلا إلى الكوع، ولا يوجد في شيء من مسائلنا" انتهى، ومن جهة المعنى أن الذي يدعو إليه هذا اللمس من الفجور هو من الرجل الحي مع امرأته الميتة أمكن من عكسه، لوصوله إلى ما يريد من جماعها على التمام دونها، فلما كان الداعي في حقه أقوى ناسب أن يحرم عليه مس ما زاد على أقل ما يمكن في التيمم سدا للذريعة، ولما كان هذا الداعي في المرأة أضعف ناسب أن يباح لها الوصول إلى غاية التيمم، وهو في غاية الوضوح، فظهر أن جواز هذا التيمم إنما هو للضرورة لا لجواز المس الذي يستلزمه جواز النظر فيما ليس بعورة كما ذكرتم، ونظير المس هنا للضرورة مس ما يحتاج إلى مداواته من جسد كل منهما، فيقتصر على أقل ما يمكن مما لابد منه ولا يتعدى إلى غيره و، كما قالوا فيما إذا أنكر الرجل الجب وشبهه أنه يمس من فوق الثوب ويبقى الثوب على ما يوالي الداء من المرأة إن كان في غير الفرج، وكالنظر في العورة في المرآة لمن أنكر البلوغ على القول به، أو داء الفرج كما وصف ابن عات في طرره ونحو ذلك، وقولكم: "لأن وجه المرأة" إلى قولكم: "يجوز مسه"، فيه نظر، إذ لقائل أن يمنع حكم القضيتين على بعض التقادير، أما الصغرى فإن أردتم ليسا بعورة بالنسبة إلى الصلاة فمسلم، وإن أردتم بالنسبة إلى نظر الأجنبي إليهما الذي هو مقصودكم فلا نسلم كونهما ليسا بعورة، ولا كونهما يجوز النظر إليهما من الأجنبي، بل المذهب أو مشهوره خلاف ذلك، قال في الرسالة: "وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظر إلى المتجالة ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه، وقد أرخص في ذلك للخاطب" انتهى، وقال في موضع آخر: "ولا يخلو رجل وامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال" انتهى، فقوله: "في المتجالة أن يرى وجهها" دليل على أن الذي نُفي أن يرى من الشابة هو الوجه ليتوارد النفي والإثبات على محل واحد، ومفهومه أن في النظرة الثانية المقصودة والنظر إلى الشابة لغير عذر حرجا، وما فيه حرج فهو محرم، وكذا قول ابن الجلاب: "ولا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة أبيه" إلخ ما ذكر من المحارم، فإن فيه دليلا على أنه لا يجوز النظر إلى وجه غير من ذكر منهن، وفي جامع المقدمات: "ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا من عذر من شهادة أو علاج أو عند إرادة نكاحها" انتهى، وقال في النكاح الأول من البيان حين تكلم على مسألة الخاطب إلى من يريد نكاحها: "فأما نظر الرجل إلى وجه المرأة بإذنها دون أن يغتفلها إذا أراد نكاحها فأجازه مالك، كما يجوز له النظر إلى وجهها في الشهادة لها أو عليها، ومن أهل العلم من لم يجز ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لعلي لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"، فتحريمه الثانية التي هي باختياره دليل على أنه لا يجوز لأحد ان ينظر إلى وجه امرأة إلا بنكاح أو حرمة تبيح ذلك، وقول مالك هو الصواب، لأنه إنما حرم من النظر إلى وجه المرأة ما كان لغير معنى يبيحه من نكاح أو شهادة" انتهى، ومثل هذا من النصوص الدالة على تحريم النظر إلى الوجه كثير، وقد ذهب بعضهم إلى أن المسألة أعني: النظر إلى وجه الشابة الأجنبية من غير عذر ولغير شهادة ذات قولين، ورأى غير واحد أنهما قائمان من المدونة من كتاب الايمان بالطلاق وكتاب الظهار، أما الأول: فقوله في آخره: "فهي كمن طلقت ثلاثا ولا بينة لها فلا تتزين له ولا يرى شعرا ولا وجها إن قدرت"، وأما الثاني فقوله في المظاهر الذي لم يكفر: "ولا يقبل ولا يباشر ولا يلمس ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفر، وجائز أن ينظر إلى وجهها، وقد ينظر غيره إليه" انتهى، فرأوا أن اللفظ الأول الدال على منعه للأجنبي، والثاني على جوازه، وعندي أن الذي يؤخذ من المدونة المنع ليس غيره، ولا حجة فيما في كتاب الظهار أنها زوجة بعد، وقد اختلف في تلذذه منها بما دون الوطء، والنظر أخف من ذلك، ويدل على ما اخترناه قوله: "وجائز أن يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته" انتهى، ومعلوم أن الأجنبي لا يجوز له مثل هذا مع الأجنبية، وأما قوله: "وقد ينظر غيره إليه" فهو جزئية لإتيانه معها بسور الجزئية، والجزئية إنما تصدق على بعض الوجوه، فيحمل على حالة العذر، وانظر كلام الإشارة إلى ما اخترناه، وقال في الإيمان بالطلاق من التنبيهات: "قال بعضهم: ظاهره أن الأجنبي لا يرى وجه الأجنبية، وهو ليس بعورة عند مالك وأهل العلم، لا يريها إياه في الصلاة، فليس على ظاهره وقال مالك في الموطأ وقد يرى غيره وجهها، وإنما اختار ألا تمكنه لأنه ينظر للذة، وكذا لا يجوز لأجنبي نظره إليه على الوجه إجماعا" انتهى باختصار، وهو مثل ما ذكرتم، وفي الاستدلال على أن الوجه ليس بعورة بحيث يجوز نظر الأجنبي إليه بإبدائه الصلاة نظر، لأن عورة الصلاة والعورة التي يجوز النظر إليها نوعان مختلفان، ولذلك يوجد أحدهما دون الآخر، فالمحرم ينظر إلى ذراع ذات محرمه وغير ذلك من أطرافها، ولا يجوز إبداؤها ذلك في الصلاة، والزوج يرى من زوجته أكثر ومن نفسه ما لا يجوز إبداؤه في الصلاة، والعورة في نفسها تختلف أحكامها في الصلاة، فإن أبدت الحرة شعرها أو صدرها أو ظهور قدميها أعادت في الوقت خاصة على المشهور، وذلك حرام على الأجنبي النظر إليه، وفي العورة الحقيقية تعيد أبدا كالرجل، والنظر إلى العورة من الرجل لا يحل بحال مع الاختيار، وطلب ستر العورة لذات الصلاة في الخلوة مختلف فيه، فدل جميع هذا على أن للعورة بالنسبة إلى النظر حكما وبالنسبة إلى الصلاة حكما آخر، يدل على طلب ستر الوجه للحرة أنها لو صلت متنقبة لم تعد، قالوا لأنها بالغت في الستر، ولما كان الرجل لا يطلب منه ذلك كره في حقه، وكذا يجوز لها حال إحرامها بالحج والعمرة أن تسدل ثوبا على رأسها من غير ربط ولا إبرة قصد ستر وجهها، وكذا ما روي عن عمر رضي الله عنه من الأمر بتغيير هيئة الإماء في ذلك مخافة التباسهن بالحرائر، وقد قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ" إلى قوله تعالى: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ"، ومع إبداء الوجه كمال المعرفة، وأما الكبرى فمنع صدقها كلية ظاهر، إذ ليس بين نظر العورة وجواز المس ربط عقلي، وهو ظاهر، ولا حكمي لوجود كل منهما بدون الآخر، أما وجود المس بدون نظر فكما في غسل عورة الميت، قال ابن الحاجب: "والأشهر أن يفضي الغاسل بيده إليها إن احتاج، وإلا فبخرقة وهي مستورة"، ونص الباجي على شيء من هذا، وكيفية غسل المرأة ذات محرمها إن لم يكن رجال على القول بأن لها ذلك من تحت ثوب أو العكس، وتأملوا كلام اللخمي في ذلك كغسل الانسان محل الأذى منه كما حكى ابن القطان عمن قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة نفسه وهو الصحيح إلا لضرورة"، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن استطعت أن لا يرى أحد عورتك فافعل"، والمخاطب بفتح الطاء داخل في عموم متعلق خطابه كالذي بكسرها، وكما في معالجة بعض الأدواء التي تحتاج إلى مسها فيما لا يجوز النظر إليه ولم تدع إليه ضرورة، وانظر قول عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت منه ولا رأى مني"، تعني العورة منه صلى الله عليه وسلم ومنها، مع أن نظر أحد الزوجين ذلك من صاحبه جائز، وإن كرهه بعضهم للطب، وأما وجود النظر بدون اللمس فكما في المصحف بالنسبة إلى المحدث، وكذا المسجد للجنب، وكذا النجاسات و، كما في نظر العدول لعورة الزانين قصدا للتحمل، وكما في النظر إلى فرج الخنثى وما يخرج من بول من أحدهما وكعورة الصغير، فإن ابن يونس ذكر في فصل الخنثى من فرائضه أنه يجوز النظر إلى عورته، وكما فيما يحتاج إلى الشهادة فيه من العيوب الكائنة بمحل لا يجوز مسه، وتأملوا قول اللخمي في فصل غسل الميت: "وأما غسل المرأة زوجها فلا بأس أن يشاركها في ذلك النساء في صب الماء من غير مس"، فقد بان بهذه الأشياء أن الكلية المذكورة غير مطردة ولا منعكسة، وبان قطعا بطلان قول من قال ما جاز مسه جاز النظر إليه قطعا، ولو سلمنا جواز النظر إلى وجه الأجنبية الشابة وكفيها فلا نسلم جواز مس ذلك منها، لأن المفسدة الناشئة أقوى من الناشئة عن النظر، لأن ما يحركه النظر من اللذة يقصر عن ما يحركه المس وحده، فأحرى ما يحركه مجموعهما المتلازمان غالبا في هذه الصورة، ولذا رتب الفقهاء على المس من الأحكام ما لم يرتبوه على النظر، فجعل اللمس بقصد اللذة بنقص الوضوء وإن لم يلتذ لأنه مظنتها، واللذة بالنظر لا تنقض على الأصح، وانظر امتناعه صلى الله عليه وسلم من مس أيدي النساء عند البيعة كما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما مست يداه امرأة لا يملك عصمتها قط، إنما كان يبايعهن كلاما، بل إنما تكلمه واحدة منهن في بعض المواطن، ولولا الضرورة لم يتعرض لذلك، فإما لأن اللمس لا يجوز وإن جاز النظر، أو لأنهما معا لا يجوزان وهو الظاهر، وإذا ورد الأمر بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء ورد النهي عن التلذذ بسماع أصواتهن مخافة الفتنة، فكيف بالنظر إلى أشرف عضو في أشباحهن؟ وهل يجمع المحاسن أو أكثرها إلا الوجه، فكيف بلمسه بعد ذلك؟ فقد جمع المس من الالتذاذ نحوا مما جمع أبو نواس منه على تفسير من فسر قوله: "ألا فاسقني" البيت، وما حكيتم من تفسير الشيخ لقول ابن الحاجب: "فإن كان جنبا فقولان"، أظنكم أردتم شرحه لقول المصنف: "وإن كان الشهيد جنبا فقولان بقوله"، يعني هل من شرط ترك الصلاة على الشهيد سلامته من الجنابة أو لا يشترط ذلك، لأن غسل الملائكة لحنظلة رضي الله عنه فضيلة له غير متعبد بها" انتهى، وما شرح به هو الأنسب لكلام المصنف، لأنه إنما ذكر هذه المسألة في فصل الصلاة على الميت لا في فصل غسله، وهنا ذكره ابن شاس أيضا، فالمؤاخذة التي تشيرون إليها إنما هي على ابن الحاجب، وأما الشارح فمتبع كلامه، ولابن هارون اعتراض على كلام المصنف يشير إلى نحو من اعتراضكم واعتذار غير مرضي من طريق العربية فانظروه، والاعتذار لذكر هذا الفرع في فصل الصلاة أنه لما كان فيه قولان باعتبار الغسل وقولان باعتبار الصلاة، والخلاف في الصلاة يستلزم الخلاف في الغسل لأنه إنما شرع لها اقتصر بذكره على أحد الفصلين، لأن ذكره في كل منهما باعتبار كل من الحكمين المتلازمين ينافي الاختصار، وذكره في فصل الصلاة دون فصل الغسل، لأن ذكر المستلزم للشيء كذكر ذلك الشيء وإذا صح أن في كل من الصلاة والغسل قولين كما حكي ابن شاس وغيره ؛ لم يكن ذكر غير واحد من الأيمة قولين في الغسل مرجحا لذكر هذا الفرع في فصل الغسل كما أشرتم إليه من أن الأولى شرحه بذلك لفوات هذه النكتة، وأما أن الصلاة تستلزم الغسل فقد أشار إليه ابن الحاجب بقوله: "ولا يغسل من لا يصلي عليه لنقص أو كمال").
٦٠ - أبو القاسم بن سراج الأندلسي (ت٨٤٨هـ)
سئل أبو القاسم بن سراج في فتاويه (١٨٣) عن الرجال من المسلمين ومن أهل الذمة يتصدون لبيع السلع من النساء في الدور أو لتعديل الحوائج مثل المغزل وغيره، وقد تخرج إليهم المرأة لتباشر البيع وهي مكشوفة الوجه، وخصوصا في زمن الحر ؟ فأجاب: (وأما المسألة الثانية: فاشتراء المرأة وبيعها من الرجال أو استيجارها إياهم في عمل ومباشرة ذلك بنفسها للضرورة والحاجة إذا لم يقع فساد ولا تهمة ولا خلوة ولا ميل لشهوة فاسدة: جائز، ولا يضر كشف وجهها ويديها بذلك كما تكشفهما في الصلاة، وعلى هذا حمل جماعة من العلماء قوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، والمراد بالزينة: الوجه واليدان إلى الكوعين، وعبر عن هذين العضوين بالزينة، لأن الوجه مح الكحل في العينين واليدين محل الخاتم، فهو من المجاز تسمية للشيء بملابسه ومجاوره، لكن هذا في الصلاة وفي معاملة الناس للضرورة على الوجه المتقدم، ومذهب مالك رضي الله عنه: جواز كشف المرأة وجهها ويديها لأجنبي لكن على الوجه المذكور، وفي كتاب الظهار من المدونة: جواز نظر الأجنبي إلى وجه المرأة، وفي كتاب طلاق السنة منها في الرجل يطلق زوجته ثلاثا فيجحد الطلاق وعلمته هي أنها لا تتزين له ولا يرى شعرها ولا وجهها ولا يأتيها إلا وهي كارهة، فحمل ابن محرز هذه الرواية التي في طلاق السنة على أنه لا تمكنه من ذلك لأن قصده التلذذ بها، ولا شك في المنع على هذا الوجه، أما إن وقعت خلوة فذلك ممنوع).
٦١ - أبو العباس أحمد بن محمد بن عبدالله القلشاني (ت٨٦٣هـ)
قال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج١ ص٤٩٩: (وأما الرجل فإنه لا يجوز له النظر إلى وجه المرأة للذة، وأما لغير اللذة فقال القلشاني عند قول الرسالة "ولا بأس أن يراها إلخ": "وقع في كلام ابن محرز في أحكام الرجعة ما يقتضي أن النظر لوجه الأجنبية لغير لذة جائز بغير ستر"، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقا، لأن الأجنبي ينظر إليه").
وقال القلشاني في شرحه على الرسالة (مخطوط) ص٣٥ (ترقيم يدوي) = ص٣٨ (ترقيم رقمي): (فرع: الحرة عورة، [قال] الباجي: "ودلالها وقصتها" إلا وجهها وكفيها، ولأبي عمر: "قيل: وقدميها"، قال: لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ" الآية، وقد فُسر بالكحل والخاتم، قال ابن الجهم: "لأن بها ضرورة إلى إبداء هذين العضوين للمعاملات والأخذ والإعطاء فدعت الضرورة إلى استثنائهما"، وإباحة لبس الخفين بها للإحرام دليل على أن ساقيها عورة).
٦٢ - أبو زيد الثعالبي صاحب التفسير الجواهر الحسان (ت٨٧٥هـ)
قال أبو زيد الثعالبي المالكي في تفسيره المسمى بالجواهر الحسان في تفسير آية الزينة في سورة النور ج٤ ص١٨٣: (قال ابن مسعود: "ظاهر الزينة: هو الثياب"، وقال [سعيد] ابن جبير وغيره: "الوجه والكفان والثياب"، وقيل غير هذا، قال زينتها ع [رمز ابن عطية]: "ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه"، وذكر أبو عمر الخلاف في تفسير الآية كما تقدم، قال: {وروي عن أبي هريرة في قوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قال: "القلب والفتخة"، قال جرير بن حازم: "القُلْب: السوار، والفتخة: الخاتم"} انتهى من التمهيد .. وقوله سبحانه: "أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ" يدخل فيه الإماء الكتابيات والعبيد، وقال ابن عباس وجماعة: "لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها إلا أن يكون وغدا").
وقال أبو زيد الثعالبي المالكي في تفسيره المسمى بالجواهر الحسان في تفسير آية الجلابيب في سورة الأحزاب ج٤ ص٣٥٩: (وقوله: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ" حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرائر، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها بالدرة محافظة على زي الحرائر).
٦٣ - المواق (ت٨٩٧هـ)
قال المواق في التاج والإكليل ج٢ ص١٨١: (ومع أجنبي غير الوجه والكفين، في الموطأ: "هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم، أو مع غلامها ؟ قال مالك: لا بأس بذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله"، [قال] ابن القطان: "فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي؛ إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا، وقد أبقاه الباجي على ظاهره"، وقال ابن محرز: "وجه المرأة عند مالك وغيره من العلماء ليس بعورة"، وفي الرسالة: "وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"، قال عياض: "في هذا كله عند العلماء حجة أنه ليس بواجب أن تستر المرأة وجهها، وإنما ذلك استحباب وسنة لها، وعلى الرجل غض بصره عنها، وغض البصر يجب على كل حال في أمور العورات وأشباهها، ويجب مرة على حال دون حال مما ليس بعورة، فيجب غض البصر إلا لغرض صحيح من شهادة، أو تقليب جارية للشراء، أو النظر لامرأة للزواج، أو نظر الطبيب ونحو هذا ولا خلاف أن فرض ستر الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم"، انتهى من الإكمال. ونحوه نقل محيي الدين في منهاجه، وفي المدونة: "إذا أبت الرجل امرأته وجحدها لا يرى وجهها إن قدرت على ذلك"، [قال] ابن عات [الشاطبي]: "هذا يوهم أن الأجنبي لا يرى وجه المرأة وليس كذلك، وإنما أمرها أن لا تمكنه من ذلك لقصده التلذذ بها، ورؤية الوجه للأجنبي على وجه التلذذ بها مكروه لما فيه من دواعي السوء"، [قال] أبو عمر: "وجه المرأة وكفاها غير عورة، وجائز أن ينظر ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام ولو من فوق ثيابها فكيف بالنظر إلى وجهها" ؟ انظر في النكاح قبل قوله: "ولا تتزين له" قول ابن محرز ومن ابن اللبي [يحتمل أنه الأبي كما نقله القاضي عياض] ما نصه: "قلت: قال أبو عمر قيل ما عدا الوجه والكفين والقدمين"، ابن القطان: "ولا يلزم غير الملتحي التنقب، لكن قال القاضي أبو بكر بن الطيب: يُنهى الغلمان عن الزينة، لأنه ضرب من التشبه بالنساء وتعمد الفساد").
وقال المواق في التاج والإكليل ج٤ ص٢٠١: (فصل: ابن شاس: "الباب الثالث من محظورات الحج والعمرة، وهي: اللبس والتطيب وترجيل الشعر والتنظيف والجماع ومقدماته وإتلاف الصيد، حرم بالإحرام على المرأة لبس قفاز وستر وجه إلا لستر بلا غرز وربط".[في] الكافي [لابن عبدالبر]: "المرأة المحرمة تلبس ما شاءت غير القفازين والبرقع والنقاب، ولا تغطي وجهها، وإحرامها في وجهها وكفيها، ولا بأس أن تسدل ثوبها على وجهها لتستره عن غيرها، ولتسدله من فوق رأسها ولا ترفعه من تحت ذقنها، ولا تشده على رأسها بإبرة ولا غيرها).
٦٤ - زروق (ت٨٩٩هـ)
قال زروق في شرحه على الرسالة ج١ ص١٣١: ("وأقل ما يجزئ المرأة إلخ"، يعني: الحرة البالغة من اللباس في الصلاة ومع غير محرمها من الرجال: الدرع، أي: القميص، الحصيف بالحاء المهملة، أي: المحكم النسج إذا شددته، السابغ، أي: الكامل التام، ومنه إسباغ الوضوء وسابغات وأسبغ عليكم نعمة أي: أكملها. الذي يستر ظهور قدميها، بل جميع بدنها لأنها كلها عورة ولو شعرة إلا الوجه والكفين، وخمار تتقنع به أي تستر به رأسها وشعرها، والخمار ما يستر الرأس والصدغين .. والمرأة مع مثلها كالرجل مع مثله وإن كتابية على المشهور، ومع محرم: غير الوجه والأطراف، وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه، وسيأتي هذا المعنى في آخر الكتاب إن شاء الله، وقوله: "وتباشر بكفيها الأرض في السجود" يعني: استحبابا، وكذا بوجهها، ابن الحاجب: "والمنتقبة لا تعيد" خ لأنها فعلت ما أمرت به وزيادة إلا أنها فعلت مكروها إذ هو من الغلو)، وتحديد ما تراه الأجنبية من الرجل بما يراه من محرمه دليل على تفريقه بين عورة الستر وعورة النظر، لأنه يبيح للرجل كشف صدره ولا يبيح للمرأة النظر إليه.
وقال زورق في شرحه على متن الرسالة ج١ ص٤١٠: ("والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا ذو محرم من الرجال فلييمّم رجل وجهها وكفيها إلى الكوعين"، يعني: مباشرةً، لأن الوجه والكفين مما يباح نظره إليه منها، وألزم اللخمي قول ابن شعبان غسله للنظافة أن لا يتيمم، وأخذ من اقتصاره على الكوعين أن ما وراءهما ليس بواجب في التيمم، وأجيب بأن هذا للضرورة والمحل محل الخلاف فروعي فانظر ذلك)، وهذا نص صريح في جواز نظر الرجل لوجه المرأة لأن حد النظر هو حد التيمم.
وقال زروق في شرحه على الرسالة ج٢ ص٩٩٣: ("وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج" .. "ولا في النظر إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه" .. والشهادة تبيح النظر إلى الشهود عليها وتأمل صفاتها للتثبيت في الشهادة، وليتق الله ما استطاع، ولا يحل له النظر بالشهوة ولا التمادي عن تحريك النفس لها، وشبه الشهادة في ذلك الطب وما يجري مجراه مما تدعو الضرورة إليه، ولا يصح بدون الرؤية "وقد أرخص في ذلك للخاطب"، يعني أن من أراد نكاح امرأة جاز له النظر إليها)، وهذا تفصيل جيد، فالنظر على ثلاث مراتب: نظرة أولى ليس فيها حرج، ونظرة ثانية لم ينتف عنها الحرج ولكن لم تبلغ حد التحريم، ونظرة بشهوة وهي المحرمة.
وقال زروق في شرحه على الرسالة ج٢ ص١٠٥٢: ("ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها ونحو ذلك مما يباح لها، ولا تحضر في ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو نحو ذلك من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح، واختلف في الكبر"، أما أن المرأة لا تخرج إلا مستترة فواجب لأنها كلها عورة ولو شعرة إلا الوجه والكفين لضرورة التصرف في ضرورياتها، وأخذ عياض بمسامحة نساء البادية في أطراف الساقين من حديث عائشة رضي الله عنها: "كان النساء يوم أحد ينقلن القرب على متونهن حتى تبدو خلاخل سوقهن"، وفيه نظر، واختُلف في وجوب التنقب على المرأة عند خروجها، وظاهر كلام الشيخ وجوبه لتخصيصه النساء في الستر، وقد قال بعضهم [نقله الفاكهاني]: "لا تخرج المرأة إلا بشروط خمسة أن يكون خروجها طرفي النهار لا في وسطه إلا من ضرورة فادحة، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن تمشي في حافة الطريق دون وسطه لئلا تزاحم الرجال ولا تخالطهم، وأن تجتنب ما يظهر عليها من الطيب ونحوه، وأن تستر ما يحرم نظره منها وهو ما عدا الوجه والكفين". [قال] عبد الوهاب: "إلا أن يكون ذلك منها فتنة فيجب ستره"، والأحوط المقام ببيتها وترك الخروج إلا من عذر يعني كشهود موت أبويها)، ثم قال في ص١٠٥٤: ("ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بذي محرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها، وإذا نحو ذلك أو خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال"، يعني أن الخلوة بغير ذي محرم حرام .. وقال ابن محرز: يجوز النظر إلى الأجنبية من غير ضرورة إن لم يقصد اللذة، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها جائز اتفاقا"، وعلله بعضهم بضرورة التصرف، فإن كانت مفتنة وجب عليها الستر، والمتجالة هي التي لا إرب للرجال فيها لكبرها .. والمشهور في الخاطب أن نظره في المخطوبة مندوب .. ثم على المشهور إنما ينظر وجهها وكفيها فقط، وأجاز ابن القصار النظر إلى ما سوى السوأتين منها).
وقال زروق في شرحه على الرسالة ج٢ ص١١٨٣: (وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظرة إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه، وقد أرخص في ذلك للخطاب).
وقال زروق في شرحه على الرسالة ج٢ ص١١٨٧: (ولا تخرج المرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها، ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهة من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح، وقد اختلف في الكبر، ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك، أو إذا خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال).
٦٥ - ابن هلال السجلماسي (ت٩٠٣هـ)
قال المجلسي الشنقيطي في لوامع الدرر ج٢ ص٩ نقلا عن نوازل ابن هلال: (واعلم أنه لا يجوز السفر مع العرب الذين لا يحجبون حريمهم حيث لا يمكن التحفظ من النظر المحرم، ولم تدع ضرورة إلى السفر معهم، فإن دعت إليه ضرورة خوف الهلاك على نفسه أو ما يجحف به من ماله جاز السفر معهم، ويؤمر بالتحفظ جهده، ولا يجوز له أن ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه من نسائهن، وإن كان لا غرض له فيهن ولا يميل طبعه إليهن، ولا يجوز له أن يؤاكل النساء إلا زوجته أو ذات محرم إلا المتجالة منهن، على هذا يُحمل ما وقع في الرواية عن مالك رضي الله عنه، وأما رفع الأحمال مع النساء فإن دعت إليه ضرورة شديدة جاز، وإلا فلا، وبالله التوفيق، انتهى من نوازل ابن هلال).
٦٦ - ابن غازي المكناسي (ت٩١٧هـ)
قال ابن غازي المكناسي في شفاء العليل ج١ ص١٧١: ("وهي من رجل وأمة وإن بشائبة وحرة مع امرأة: بين سرة وركبة، ومع أجنبي: غير الوجه والكفين"، قوله: "بين سرة وركبة" حقيقة البينية تعطي أنهما غير داخلتين، وهو الذي اختار من الخلاف في المسائل الثلاث، وإن كان بعضها أوكد، زاد في التوضيح: "واعلم أنه إذا خشي من الأمة الفتنة وجب الستر لرفع الفتنة، لا لأن ذلك عورة"، و"أعادت لصدرها، وأطرافها، بوقت، ككشف أمة فخذا، لا رجل، ومع محرم غير الوجه والأطراف، وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه، ومن المحرم كرجل مع مثله، ولا تطلب أمة بتغطية رأس").
٦٧ - أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي (ت٩٣٩هـ)
قال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في المقدمة العزية للجماعة الأزهرية ص١١٣ (ط البخاري) في شروط الصلاة: (وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين).
وقال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في المقدمة العزية للجماعة الأزهرية ص١٤٦ (ط البخاري): (وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، فيحرم عليه سترهما بما يعد ساترا كالعمامة والخرقة وكل ما ينتفع به من الحر والبرد، ويحرم عليه لبس الخاتم، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها فقط، ولها أن تسدل على وجهها ثوبا لأجل الستر، ولا تغرزه بإبرة ونحوها).
وقال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في كفاية الطالب الرباني (مطبوع مع حاشية العدوي) ج١ ص١٦٩: (ثم ثنى ببيان ما يجزئ المرأة في الصلاة فقال: "وأقل ما يجزئ المرأة" الحرة البالغة "من اللباس في الصلاة" شيئان: أحدهما "الدرع الحصيف" ..، الثانية: الساتر "السابغ" أي الكامل التام "الذي يستر ظهور قدميها" .. تتميم: عورة الرجل من السرة إلى الركبة وهما غير داخلين فيها على المشهور، وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين، وعورة الأمة القن ومن فيها شائبة حرية كالرجل).
وقال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في كفاية الطالب الرباني (مطبوع مع حاشية العدوي) ج١ ص٤١٤: ("والمرأة" المسلمة "تموت في السفر لا نساء" مسلمات "معها ولا محرم" لها "من الرجال"، وإنما معها رجال أجانب، "فلييمم رجل" منهم "وجهها وكفيها" إلى الكوعين فقط لأنهما ليسا بعورة، فيباح له النظر إليهما بغير شهوة، بخلاف ما عدا الوجه والكفين، وقيدنا بفقط احترازا مما عدا الوجه والكفين فعورة لا يجوز كشفه ولا لمسه، وظاهر كلامه آخر الكتاب أنه لا يباح النظر إلى الوجه والكفين).
وقال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في كفاية الطالب الرباني (مطبوع مع حاشية العدوي) ج١ ص٥٥٤: ("وإحرام المرأة في وجهها وكفيها" معناه: تبدي ذلك، لأن الإحرام مستقر فيه، ولها أن تستر جميع وجهها وكفيها بثوب تسدله عليه من فوق رأسها ولا تغرزه بإبرة، وليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام، فإن فعلت ذلك افتدت).
وقال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في كفاية الطالب الرباني (مطبوع مع حاشية العدوي) ج٢ ص٤١١: ("ومن الفرائض" فرض عين "غض البصر" أي كسر العين "عن النظر إلى جميع المحارم" أي المحرمات، كالنظر للأجنبية والأمرد على وجه التلذذ لقوله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ"، "وليس في النظرة الأولى" إلى المحارم "بغير تعمد" أي قصد "حرج" أي إثم، "و" كذلك "لا" حرج "في النظر إلى المتجالة" التي لا أرب فيها للرجال ولا يتلذذ بالنظر إليها "و" كذا "لا" حرج "في النظر إلى الشابة" وتأمل صفتها "لعذر من شهادة عليها" في نكاح أو بيع ونحوه مثل الشاهد والطبيب والجرايحي وإليه أشار بقوله: "أو شبهه" .. "وقد أرخص في ذلك" أي في النظر إلى الشابة "للخاطب" لنفسه من غير استغفال للوجه والكفين فقط).
وقال أبو الحسن علي المنوفي الشاذلي في كفاية الطالب الرباني (مطبوع مع حاشية العدوي) ج٢ ص٤٥٨: ("ولا يخلو رجل بامرأة" شابة "ليست بذي محرم منه" لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك قائلا: "فإن الشيطان ثالثهما"، "ولا بأس أن يراها" بمعنى يجوز للرجل أن يرى ما ليست محرما منه "ل" أجل "عذر من شهادة عليها" أو لها، "ونحو ذلك" كنظر الطبيب "أو إذا خطبها" لنفسه وهذا كله في غير المتجالة، "وأما المتجالة" وهي التي لا أرب للرجال فيها لكبر سنها "ف" يباح "له" أي للأجنبي "أن يرى وجهها على كل حال" لعذر وغيره).
٦٨ - التتائي (ت٩٤٢هـ)
قال التتائي في تنوير المقالة ج١ ص٤٥٦: (وأما عورة المرأة مع الرجل الأجنبي: فما عدا وجهها وكفيها فلا يجب عليها سترهما من حيث كونهما عورة، بل لأمر آخر، وهو تحريم النظر إليهما خوف الفتنة، وتحريم نظرهما لا يستوجب كونهما عورة والله أعلم).
وقال التتائي في تنوير المقالة ج٢ ص٥٨٥: (والمرأة تموت في السفر لا نساء معها، ظاهره مسلمات أو غيرهن، ولا معها ذو محرم من الرجال ولا زوج ولا سيد، بل رجال أجانب مأمونون سافرت معهم أو مات محرمها الذي سافرت معه، فلييمم رجل منهم وجهها وكفيها فقط، لا ذراعيها، إذ لا يجوز كشفهما ولا لمسهما لأنهما عورة كبقية جسدها، والنظر لهما محرم، وإذا لزم من فعل السنة حرام لم يجز فعلها، وهذا مذهب مالك).
وقال التتائي في تنوير المقالة ج٣ ص٥١٠: ("وإحرام المرأة في وجهها"، قال ابن عمر: "في بعض الروايات "وكفيها" أي تبدي ذلك في الإحرام"، لا أن الإحرام الذي هو اعتقاد الحج والعمرة مستقر في ذلك، وهذا معنى قول بعضهم: "حكم الإحرام في وجهها وكفيها بترك تغطيتهما"، "وإحرام الرجل في وجهه ورأسه" بأن يبديهما حال إحرامه، فإن غطى رأسه وانتفع بذلك افتدى، وإن غطى وجهه وانتفع به ففي المدونة قولان).
٦٩ - الحطاب الرعيني (ت٩٥٤هـ)
قال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج١ ص٤٩٩: (ستر العورة في الصلاة، قال ص "ومع أجنبي غير الوجه والكفين". ش قال الأبي عن القاضي عياض: "وقيل ما عدا الوجه والكفين والقدمين" انتهى، واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين، قاله القاضي عبد الوهاب، ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في شرح الرسالة، وهو ظاهر التوضيح، هذا ما يجب عليها، وأما الرجل فإنه لا يجوز له النظر إلى وجه المرأة للذة، وأما لغير اللذة فقال القلشاني عند قول الرسالة "ولا بأس أن يراها إلخ": "وقع في كلام ابن محرز في أحكام الرجعة ما يقتضي أن النظر لوجه الأجنبية لغير لذة جائز بغير ستر، قال: "والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقا، لأن الأجنبي ينظر إليه"، وكلامه في المطلقة الرجعية وكلام الشيخ هنا يدل على خلافه، وأنه إنما يباح النظر لوجه المتجالة دون الشابة إلا لعذر والله تعالى أعلم).
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج٣ ص١٤٠: (ص: "وستر وجه" .. "إلا لستر بلا غرز وربط" ش: أي لقصد الستر عن الرجال، ولا يحتاج أن يقول المصنف ذلك، لأن الستر يستلزمه، ولذلك جعل في المدونة كونه للستر قسيم كونه لحر أو برد، وكذا في كلام الباجي، وبهذا اعتذر ابن عرفة عن ابن حبيب، فإن فعلته لحر أو برد فسيان، فيه الفدية، قاله في التوضيح، وقال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: "وأما لأجل حر أو برد أو لغير سبب: لها ذلك" انتهى، وقال في الطراز: "للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال، فإن أمكنها بشيء في يديها كالمروحة وشبهها فحسن، وإن لم يمكنها وكان لها جلباب سدلته على رأسها، فإن لم يكن لها جلباب فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيديها، ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها، فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسه فتسدله على وجهها فعلته، وإن رفعت حِجر خمارها فألقته على رأسها فلا شيء عليها، لأن ستر الوجه ولبس المخيط إنما تجب فيه الفدية مع الطول والانتفاع باللبس من حر أو برد وشبهه مما وضع له ذلك اللباس، وليس هذا منه في شيء .. وانظر ما يفعله النساء اليوم من القفه المعمولة من السعف ويربطنها على وجوههن ثم يسدلن عليها الثوب، والظاهر أن عليها الفدية إذا فعلت ذلك وطال، وإن أرسلته على رأسها ولم تعقده وطال كان على القولين في ستر وجه المحرم، ويخالف العقد من حيث إنه في معنى المخيط" انتهى).
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج٣ ص٤٠٥: (قال في التوضيح: "يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد، وللطبيب ونحوه، وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره" انتهى. زاد الأقفهسي في المواضع التي يجوز النظر فيها: البيع والشراء. انتهى. ومقتضى كلام القباب في مختصر أحكام النظر لابن القطان أنه لا يجوز النظر إليهن للبيع والشراء).
وقال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل ج٥ ص٣٩٣: (وسئل عن المرأة العزبة الكبيرة تلجأ إلى الرجل فيقوم لها بحوائجها ويناولها الحاجة هل ترى له ذلك حسنا ؟ قال: لا بأس به، وليدخل معه غيره أحب إلي، ولو تركها الناس لضاعت. [قال] ابن رشد: "وهذا على ما قال إنه جائز للرجل أن يقوم للمرأة الأجنبية في حوائجها ويناولها الحاجة إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" النور، وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل، فجائز للرجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة، فإن اضطر إلى الدخول عليها أدخل غيره معه ليبعد سوء الظن عن نفسه، فقد روي أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقيا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زوجته صفية رضي الله عنها فقال لهما: "إنها صفية"، فقالا: "سبحان الله، يا رسول الله"، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما فتهلكا" انتهى)، وتحرير رأي الحطاب في المسألة يحتاج لتأمل، لأنه ينقل القول وضده دون ترجيح كما فعل في جميع نصوصه السابقة باستثناء هذا النص، والأقرب أنه يرى جواز كشف الوجه واليدين مع أو تحريم النظر إليهما لغير حاجة، وربما كان حكم النظر هو الكراهة لا التحريم.
٧٠ - الفيشي (ت٩٧٢هـ)
قال الفيشي في المنح الإلهية ص٦٢ (ط المكتبة العصرية): ("و" رابعها: "ستر العورة" إن ذكر وقدر، من كل أحد حتى من زوجها، وإن أبيح له النظر خارجها، فعورة الرجل ما بين سرته وركبتيه، ولا تدخل السرة والركبة، وكذلك الأمة القن وما فيها شائبة رق، ولكن إن صلت مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت بخلافه، وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين، ولو مع نساء أو في خلوة لعدم الأمن من تطلّع الأجنبي، إلا أنها تعيد لكشف صدرها وأطرافها بالوقت، وهذه العورة بالنسبة إلى الصلاة، وأما بالنسبة إلى النظر: فعورة الرجل والحرة مع مثلها: ما بين السرة والركبة، ومع المحرم: ما عدا الوجه والأطراف، كعورة الرجل مع الأجنبية، وعورة المرأة مع الأجنبي: ما عدا الوجه والكفين).
وقال الفيشي في المنح الإلهية ص١٥٨ (ط المكتبة العصرية): (والمرأة كالرجل في جميع ما يحرم عليه إلا في اللبس وتغطية الرأس ولبس الخفين، لأن إحرامها في وجهها وكفيها فقط، فلا تتلثم ولا تتبرقع إلا لستر، ولها سدل ثوب على وجهها من فوق رأسها، وليس عليها أن تجافيه عن وجهها، قال في البيان: "إن رأت الرجل فغطت وجهها فلا فدية عليها").
٧١ - ابن المسبح المرداسي (ت٩٨٠هـ)
قال ابن المسبح المرداسي في عمدة البيان في معرفة فروض الأعيان ص٥٣: (قوله: "والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين" يعني أن المرأة الحرة كلها عورة بالنسبة إلى الرجال، وأما حكمها مع النساء فالمشهور أنه حكم الرجال مع الرجل).
٧٢ - علي الأجهوري (ت١٠٦٦هـ)
قال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب الرباني ج٢ ص٤١١: (المذهب أنه يجوز النظر للشابة أي لوجهها وكفيها لغير عذر بغير قصد التلذذ حيث لم يخش منها الفتنة، وما ذكره الشيخ ليس هو المذهب، قاله عج [رمز علي الأجهوري]).
٧٣ - محمد ميارة (ت١٠٧١هـ)
قال محمد ميارة في الدر الثمين ص٢٦٠: (وأما بالنسبة إلى المرأة: فيجوز للمرأة الأجنبية أن ترى من الرجل وجهه وأطرافه، ويجوز للمحرم كأمه أن ترى منه ما يراه الرجل منه، وهو ما عدا السرة والركبة، وعورة الحرة مع الرجل الأجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين فليسا بعورة، وتحريم النظر إليهما إنما هو لخوف الفتنة لا لكونهما عورة، وأما بالنسبة إلى المحرم كابنها وأخيها فلا يرى منها إلا الوجه والأطراف، وأما بالنسبة إلى النساء فالمشهور أنها كالرجل مع الرجل، وقيل: كحكم الرجل مع ذوات محارمه فترى المرأة من المرأة الوجه والأطراف فقط، وقيل كحكم الرجل مع المرأة الأجنبية، فلا ترى المرأة إلا الوجه والكفين وإن أمنت الفتنة).
وقال محمد ميارة في الدر الثمين ص٥٢٧: (والمرأة إنما يحرم عليها محل ستر إحرامها فقط، وإحرامها في وجهها وكفيها، فيحرم عليها ستر وجهها بنقاب أو لثام أو برفع ستر بدنها بقفازين، ولها سدل ثوب على وجهها للستر من فوق رأسها).
وقال محمد ميارة في الدر الثمين ص٥٥٦: (وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ومفهومه أن في الثانية الحرج، وكذا في الأولى بتعمد .. فرع: يجوز النظر إلى المرأة المتجالة، وهي الكبيرة التي لا أرب للرجال فيها .. وانظر هل هذا لكل أحد ؟ وإنما يباح النظر إليها لمن لا يتهم أن يتعلق بها قلبه كالشاب، وأما الشيخ فلا يجوز له النظر إليها إذ قد يتشوف إليها، وقد جاء عن أبي حنيفة: "لكل ساقطة لاقطة" .. فرع: يجوز النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها إذا باعت أو اشترت أو تزوجت، فيجوز للشهود النظر إليها ليتحققوا صفاتها ويكتبوها، أعني: صفات الوجه والسن والقد، وهذا إذا كانوا لا يعرفونها، وأما إن عرفوها فلا ينظروا إليها ويكتفوا بسماع كلامها، وكذلك إن أخبرهم بها مخبر فحصل لهم العلم بذلك، وقال ابن شعبان: "ينبغي أن لا يشهد لشابة أو عليها إلا من يبلغ ستين سنة من الشهود"، ومن الشهادة لها: الشهادة على جرح فيها وهل هو مأمومة أو جائفة أو غيرهما، وشبه الشهادة عليها نظر الطبيب والجرائحي إذا كان في الوجه أو في اليدين والرجلين، وأما في الفرج فلا يجوز، واختلف إذا كان في سائر الجسد، فقيل: يقطع عليه الثوب وينظر إليه، وقيل: لا ينظر إليه إلا النساء ونظر الراقي، وقد ذكر عن الشيخ أبي يعزى نفعنا الله ببركاته أنه كان يرقي النساء، فأنكر ذلك عليه بعض الفقهاء، فلما وصلوا إليه قال لهم: "جئتم لكذا أليس أنكم تقولون يجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع الداء أفلا جعلتموني كالطبيب الكافر"؟ فانقطعوا. فرع يجوز للخاطب أن ينظر من المخطوبة الوجه والكفين بعلمها، وهذا إذا خطبها لنفسه وكان يظن الإجابة وإلا لم يجز له ذلك).
٧٤ - عبدالباقي الزرقاني (ت١٠٩٩هـ)
قال الزرقاني في شرحه على مختصر خليل ج١ ص٣١٠: ("وهي من رجل" مع مثله أو مع محرم "و" من "أمة" مع رجل أو امرأة "وإن" كانت متلبسة "بشائبة" لحرية كأم ولد ومكاتبة ومعتقة لأجل ومديرة وكذا معتق بعضها لأن أحكام المبعض كالقن كما يأتي للمصنف، خلافا لقول القباب: "إنها كالحرة"، وأشار لها بالنسبة للرؤية بقوله: "و" من "حرة مع امرأة" حرة أو أمة ولو كافرة، وقوله: "مع" راجع للأخيرين، وكذا للأول، لكن يقيد بمحرم لما يأتي أن الأجنبية إنما ترى من الأجنبي الوجه والأطراف، وقولي: "للرؤية" يرشد له قوله الآتي: "وأعادت لصدرها وأطرافها بوقت"، فإن ظاهره ولو صلت مع حرة كما في د "بين سرة وركبة") إلى أن قال: (وشمل قوله "مع امرأة": الحرة الكافرة كما مر، وإن حرم على مسلمة كشف شيء من بدنها إلا وجهها وأطرافها بين يدي حرة كافرة، إذ لم يلزم من حرمة الكشف كون ذلك عورة، كما يحرم كشف شيء منها بحضرة ذمي غير عبدها، قال بعض الشيوخ: "وقد عمت البلوى بذلك في بعض القطر لقلة الدين والمروءة، وعدم المغيرة وقوة الغفلة، وبنو أمرهم فيه على احتقاره وما هو عليه من الهيئة الرثة وحقير الدار هو الذي يعمل النوائب ويقبح أقبح المصائب" اهـ. وهذا شامل للوجه وغيره، انظر د [رمز زروق]، وأما عبدها الكافر فعورتها معه كعورتها مع الأجنبي المسلم، كذا ينبغي، كما أن عورة الحرة مع أمتها الكافرة كعورة المسلمة مع المسلمة كما يفيده ابن الحاج. تنبيه: قوله: "وحرة مع امرأة" بالنسبة للرؤية كما تقدم، وأما بالنسبة للصلاة فجميع جسدها، ولو صلت بحضرة مثلها، ولا يلزم من ترك واجب بطلان صلاة، بل منه ما يبطلها ككشف بطنها ونحوه، ومنه ما لا يبطلها كصدرها وأطرافها، وإنما تعيد بوقت كما سيذكر، قال طخ [الطُخيخي]: "ولم يوجد قول مشهور بأن الحرة لو صلت مكشوفة البطن والظهر والرأس وجميع البدن ما عدا ما بين السرة والركبة تصح صلاتها"، هذا ما ظهر لنا، وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأن بعض أصحابنا يزعم أن عورة الحرة مع النساء في الصلاة إنما هي ما بين السرة والركبة، ويستدل عليه بما للمصنف في توضيحه اهـ، والظاهر من كلامهم جميعهم ما زعمه صاحبه لا ما ظهر له هو قاله بعض الشراح - وفيه نظر - فقد ذكر زروق وغيره من شراح الرسالة مما وقفت عليه: "أنه يجب على الحرة أن تستر جميع جسدها في الصلاة إلا وجهها وكفيها"، ولم يفصل بين كونها تصلي مع نساء أو مع رجال أو وحدها، وكذا يفيده قول د، والحاصل أن عورة الرجل والأمة بالنسبة للصلاة ما بين السرة والركبة، وعورة الحرة بالنسبة إليها ما عدا الوجه والكفين كما صرح بذلك معظم المؤلفين، وأما عورتها بالنسبة إلى رؤية ففيها التفصيل الذي ذكره المصنف" اهـ، ويشعر بأنه بالنسبة للرؤية قول المصنف أيضا: "ولأم ولد وصغيرة" لا بالنسبة للصلاة، إذ ه وصادق بصلاة الحرة مع النساء، فإذا كانت عورتها ما بين سرتها وركبتها لم يصدق قوله "ولأم ولد إلخ"، إذ الواجب حينئذ على الحرة هو الواجب على الأمة، وحمل قوله: "ستر واجب على الحرة" على ما إذا صلت الحرة مع الرجال خلاف الظاهر، وعطف على امرأة قوله: "و" عورة الحرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم ولو عبدها فيما يظهر كما مر بالنسبة للنظر "غير الوجه والكفين" من جميع جسدها حتى دلاليها وقصتها، وأما الوجه والكفان ظاهرهما وباطنهما فله رؤيتهما مكشوفين ولو شابة بلا عذر من شهادة أو طب إلا لخوف فتنة أو قصد لذة فيحرم).
وقال عبدالباقي الزرقاني في شرحه على مختصر خليل ج٢ ص١٥٦ في المرأة التي تموت في سفر وليس فيهم امرأة ولا محرم لها: ("ثم" إن لم يوجد محرم ولم يوجد إلا رجال أجانب "يُممت" أي: يممها واحد منهم "لكوعها" فقط، ويمسهما من غير حائل، لا لذراعيها لأن ذراعيها عورة اتفاقا، بخلاف وجهها وكفيها، بدليل إظهارهما في الصلاة والإحرام، وإنما جاز هنا مسهما للأجنبي دون الحياة لندور اللذة هنا).
وقال عبدالباقي الزرقاني في شرحه لمختصر خليل ج٢ ص٥١٢: ("فصل. حرم بالإحرام" بحج أو عمره .. "على المرأة" ولو أمة .. "لبس" مخيط بيديها نحو "قفاز" .. "وستر وجه" أو بعضه ترفها أو لحر أو برد ولو لم تلاصقه، واستثنى منقطعا قوله "إلا لستر" عن أعين الناس، فلا يحرم عليها ستره ولو لاصقته له، بل يجب إن علمت أو ظنت أنه يخشى منها الفتنة أو ينظر لها بقصد لذة، وحينئذ فلا يقال: كيف تترك واجبا وهو ترك الستر في الإحرام وتفعل محرما وهو الستر لأجل أمر لا يطلب منها، إذ وجهها ليس بعورة ؟ فالجواب: أنه عورة يجب ستره فيما إذا علمت إلى آخر ما مر).
وقال عبدالباقي الزرقاني في شرحه لمختصر خليل (مطبوع معه حاشية البناني) ج٢ ص٥٢٠: (وجاز لمرأة خز، أي: لبسه، وكذا حرير، فحكمها بعد الإحرام في اللباس كحكمها قبله إلا في ستر الوجه والكفين).
وقال عبدالباقي الزرقاني في شرحه لمختصر خليل (مطبوع معه حاشية البناني) ج٣ ص٢٨٩: ("ونُدب لمحتاج" .. "ذي أهبة" .. "نكاح بكر" .. "ونظر وجهها وكفيها" ظاهرهما وباطنهما، فالمراد: يديها لكوعيها إن لم يقصد لذة وإلا حرم، ويشترط أيضا أن يعلم أنها تجيبه هي أو وليها، فإن علم عدم الإجابة لم يجز له النظر كما قال ابن القطان، أي: يحرم إن خشي فتنة وإلا كره، وإن كان نظر وجه الأجنبية وكفيها جائزا لأن فعل هذا مظنة قصد اللذة، "فقط" لا غيرهما لأنه عورة فلا يجوز، هذا هو المراد دون ظاهر المصنف من أنه لا يندب، ونفي الندب لا ينفي الجواز الذي هو المراد بعلم، ويكره استغفالها لئلا يتطرق أهل الفساد لنظر محارم الناس ويقولون: نحن خطاب، قال تت [رمز التتائي]: "وأشعر قوله نظر أنه لا يمس، وانظر هل يدخل في الوجه ما يفعله بعض المصريين من فتح فمها ونظر أسنانها" اهـ، وينبغي جواز ذلك بالأولى من الوجه، إذ هو يلتذ به أقوى من الأسنان، لكن تعليل نظر الوجه بأنه يدل على الجمال ربما يخالف ذلك قاله عج [علي الأجهوري] فيحتمل أن قوله: "فقط" أي: لا غير النظر من جس أو مما يفعله بعض المصريين، وأشعر المصنف أيضا أنه لا يندب لها هي نظر وجهه وكفيه، قال ح [الحطاب الرعيني]: "ولا نص فيه عندنا والظاهر ندبه وفاقا للشافعية" انتهى).
وقال عبدالباقي الزرقاني في شرحه للموطأ ج٤ ص٥٠٠: ("سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها ؟ فقال: ليس بذلك بأس" أي يجوز "إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال" بأن كان ثَمّ محرم، كما "قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله، أو مع أخيها على مثل ذلك، ويكره" تحريما "للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة"، أي: قرابة نسب أو صهر أو رضاع).
٧٥ - الخرشي (ت١١٠١هـ)
قال الخرشي في شرح مختصر خليل (مطبوع معه حاشية العدوي) ج١ ص٢٤٦: (ص: "وهي من رجل وأمة وإن بشائبة – وحرة مع امرأة ما بين سرة وركبة" ش: يعني أن عورة الرجل مع مثله أو مع أمة ولو بشائبة من أمومة ولد فما دونها مع رجل أو امرأة بالنسبة للرؤية وللصلاة ما بين السرة والركبة، وعورة الحرة مع حرة أو أمة ولو كافرة بالنسبة للرؤية ما بين السرة والركبة وهما خارجان، وبعبارة أخرى وهي أي العورة الشاملة للمغلظة والمخففة من رجل مع غير أجنبية ما بين سرة وركبة، وإنما قلنا مع غير أجنبية لما يأتي أن الأجنبية إنما ترى من الأجنبي الوجه والأطراف، فإن قلت هذا بيان للعورة التي يجب سترها في الصلاة لا لها وللعورة التي لا ترى ؛ قلت: يرده قوله "وحرة مع امرأة" فإنه في العورة التي لا ترى، إذ عورة الحرة في الصلاة جميع جسدها ما عدا وجهها وكفيها كما يأتي، وانظر الاعتراض، والجواب عما في كلام المؤلف من جهة العربية وغيرها في شرحنا الكبير. ص: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين". ش: معطوف على امرأة، والمعنى: أن عورة الحرة مع الرجل الأجنبي جميع بدنها حتى دلاليها وقصتها ما عدا الوجه والكفين ظاهرهما وباطنهما، فيجوز النظر لهما بلا لذة ولا خشية فتنة من غير عذر ولو شابة، وقال مالك: "تأكل المرأة مع غير ذي محرم ومع غلامها، وقد تأكل مع زوجها وغيره ممن يؤاكله" [قال] ابن القطان: "فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا" اهـ، ولعل هذا لا يعارض منع أكل الزوج مع مطلقته الرجعية لاحتمال كون المنع خاصا بالمطلق لعدم احترامه لها لما بينهما من المودة والألفة سابقا، فشدد عليه ما لم يشدد على الأجنبي). ثم قال في ص٢٤٨: (تنبيه: لا يجوز ترداد النظر وإدامته إلى امرأة شابة من محارمه أو غيرهن إلا عند الحاجة إليه والضرورة، في الشهادة ونحوها، وعليه فيقيد كلام المصنف بغير ترداد النظر وإدامته، ومفهوم الشابة أنه يجوز ذلك في المتجالة. ذكره الحطاب).
وقال الخرشي في شرح مختصر خليل (مطبوع مع حاشية العدوي) ج٢ ص٣٤٥ فيما يحرم على المرأة في الحج: (ص: "وستر وجه إلا لستر بلا غرز وربط"، ش: هذا معطوف على لبس قفاز، والمعنى أنه يحرم على المرأة أن تستر وجهها في إحرامها، كما يحرم عليها أن تستر يديها لخبر: "إحرام المرأة في وجهها وكفيها"، معناه: تكشفهما إلا أن تريد بذلك الستر عن أعين الناس، فإنه يجوز لها أن تستره بأن تسدل على وجهها رداء ولا تربطه ولا تغرزه بإبرة).
٧٦ - أبو الحسن علي النوري الصفاقسي (ت١١١٨هـ)
قال أبو الحسن علي النوري الصفاقسي في المقدمة النورية ص٥٧: (ويجب ستر العورة عن الناظرين، ويستحب في الخلوة، وهي من الرجل مع مثله ومع محارمه، ومن المرأة الحرة مع مثلها: ما بين السرة والركبة، ومع المرأة الأجنبية: ما عدى الوجه والأطراف، والمرأة الحرة مع الأجانب كلها عورة، ومع المحارم ما عدا الوجه والأطراف).
٧٧ - النفراوي (ت١١٢٢هـ)
قال النفراوي في الفواكه الدواني ج١ ص١٢٩: ("وأقل ما يصلي فيه الرجل" على جهة الكمال "من لباس ثوب ساتر" جميع جسده سوى رأسه ويديه .. "وأقل ما يجزئ المرأة" الحرة "من اللباس في الصلاة" في خلوة أو جلوة "الدرع الحصيف" .. تنبيهات .. الثاني: علم مما مر بيان عورة الرجل والمرأة بالنسبة للصلاة، وأنها من الرجل والأمة منحصرة فيما بين السرة والركبة، ومن المرأة الحرة جميع جسدها إلا الوجه والكفين، وقد بينا ما تعاد الصلاة لكشفه منها أبدا أو في الوقت، وأما بالنسبة للرؤية فلم يبينه المصنف ونحن نبينه فنقول: اعلم أن عورة الرجل الواجب عليه سترها عن الناس خلا زوجته وأمته: ما بين الركبة والسرة مع رجل مثله أو امرأة محرم له، والسرة والركبة خارجتان، وهذا يقتضي أن الفخذ من الرجل عورة فيجب عليه ستره ويحرم عليه كشفه والنظر إليه، وهو ما اختاره ابن القطان، كما يحرم تمكين الدلاك منه ولو على رأي من يقول بكراهة النظر إليه لأن المباشرة أشد من النظر، وسيأتي في المصنف: "والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها". قال ابن عمر: "الفخذ عورة حقيقة يجوز كشفها مع الخاصة ولا يجوز كشفها مع غيرها"، وأما عورته مع المرأة الأجنبية ولو أمة فهي ما عدا الوجه والأطراف، وأما عورة الأمة معه فهي ما بين السرة والركبة لأنه ينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة، وهي ترى منه الوجه والأطراف، والفرق قوة داعيتها للرجل وخفيف داعيته لها، وأما عورة الحرة مع امرأة مثلها فكعورة الرجل مع مثله ما بين السرة والركبة، إلا أن تكون المرأة كافرة فعورتها معها جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، إلا أن تكون تلك المرأة أمتها وإلا كانت عورتها معها كرجل مع مثله ولو كانت كافرة، والحاصل أن عورة الرجل مع مثله أو مع محرمه، وعورة الحرة المسلمة مع أنثى غير كافرة أو كافرة وهي أمتها، وعورة الأمة مع رجل أو امرأة ما بين السرة والركبة، وأن عورة الحرة مع الذكور المسلمين الأجانب: جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، ومثل الأجانب عبدها إذا كان غير وغد سواء كان مسلما أو كافرا فلا يرى منها الوجه والكفين [كذا في المطبوع، وهو لا يستقيم مع السياق، والصواب كما في المخطوط هو: "إلا الوجه والكفين"، المخطوط موجود في مكتبة المصطفى برقم m013349]، وأما مع الكافر غير عبدها فجميع جسدها حتى الوجه والكفين، وأما عورتها مع المحرم أو مع عبدها المسلم أو الكافر إذا كان وغدا فجميع جسدها إلا الوجه والأطراف فيجب عليها سترها منهما، فيريان منها الوجه والأطراف وترى منهما ما تراه من محرمها. قال شيخنا في شرحه [: "والعبد الوغد مع سيدته كالمحرم وأطرافها كرأسها وذراعيها وما فوق منحرها"، فتلخص أن الذي يحل للمرأة النظر إليه من الرجل أكثر مما يحل له النظر إليه منها سواء كانت محرما أو أجنبية، لأنه يرى من الأجنبية الوجه والكفين وهي ترى منه الوجه والأطراف، ويرى من محرمه الوجه والأطراف وترى منه ما عدا ما بين السرة والركبة، وهي ترى منه الوجه والأطراف وهذا كله حيث لا شهرة وإلا حرم النظر ولو لأمه أو بنته).
وقال النفراوي في الفواكه الدواني ج١ ص٢١٥: (فيجب على المرأة في حال صلاتها أن تستر جميع جسدها وشعرها حتى دلاليها ما عدا الوجه والكفين، والظاهر أن المراد بالوجه هنا الوجه المتقدم تحديده في فرائض الوضوء، فلا يجب عليها ستر لحيتها إن خلق لها لحية، وظاهر كلامهم هنا أنه يجب عليها ستر بعض خديها، وفهم من قوله: "أقل ما يجزئ إلخ" أنها لو صلت بأقل من ذلك مع القدرة على الواجب لم يجزها وتعيد أبدا، وليس على إطلاقه بل على تفصيل تقدم، وهو: إن صلت مكشوفة الصدر أو بعض الأطراف كظهور قدميها وذراعيها وشعرها أو بعض شيء من ذلك تعيد في الوقت، قال خليل: "وأعادت لصدرها وأطرافها بوقت ككشف أمة فخذا لا رجلا"، وأما لو صلت مكشوفة شيء من نحو البطن أو الظهر أو الجنب لأعادت أبدا، ولا فرق في جميع ما تقدم بين الخلوة والجلوة، وأما في غير الصلاة: فإن كانت مع زوجها فيحل لكل النظر لفرج الآخر، وأما مع الغير فيجب عليها ستر جميع الجسد إلا الوجه والأطراف مع محرمها، ومع الأجنبي جميع جسدها إلا الوجه والكفين كما قدمنا بسط ذلك فراجعه).
وقال النفراوي في الفواكه الدواني ج١ ص٢٨٧: (ثم شرع في حكم من لا زوج له ولا سيد بقوله: "والمرأة" المسلمة "تموت في السفر" أو في الحضر ولا زوج لها ولا سيد و "لا نساء معها" لا أقارب ولا أجانب "ولا ذو محرم" لها "من الرجال" لا بالنسب ولا بالرضاع ولا بالصهر "فلييمم رجل" أجنبي "وجهها وكفيها"، أي كوعيها، ويدخلهما في المسح لأنهما كالكفين ليسا بعورة يباح النظر لهما لغير شهوة، وأما غير الوجه والكفين فإنه عورة لا يحل للأجنبي النظر إليه من الأجنبية فضلا عن لمسه).
وقال النفراوي في الفواكه الدواني ج١ ص٣٦٩: ("و" اعلم أن "إحرام المرأة": حرة أو أمة وكذا الخنثى المشكل "في وجهها وكفيها" .. قال خليل: "وحرم بالإحرام على المرأة لبس قفاز وستر وجه إلا لستر بلا غرز ولا ربط"، فلا تلبس القفاز، وأما الخاتم فيجوز لها لبسه كسائر أنواع الحلي، ولا تلبس نحو البرقع ولا اللثام إلا أن تكون ممن يخشى منها الفتنة فيجب عليها الستر بأن تسدل شيئا على وجهها من غير غرز ولا ربط).
وقال النفراوي في الفواكه الدواني ج٢ ص٢٧٧: ("وليس في النظرة الأولى" إلى ما لا يحل النظر إليه "بغير تعمد" التذاذ أو نحو انتقاص "حرج"، أي: إثم، وذلك بأن يقع بصره على وجه جميل أو جميلة من غير قصد، وغضه سريعا لما في ذلك من الحرج، وأما لو تعمد النظر للالتذاذ أو أدامه مع قصده لأثم، لأنه لا يحرم النظر بمجرده لما نص عليه في باب ستر العورة من أن وجه الأجنبية ليس منها، وإنما يحرم النظر إليه في حالة خاصة وذلك عند قصد الالتذاذ أو خشية الافتتان، "ولا" حرج أيضا "في النظر إلى وجه المتجالة" وهي التي لا تمثل إليها نفس الناظر، واما لو نظر إليها من يلتذ بها فينزل على النظر إلى الشابة لأن كل ساقطة لها لاقطة، "ولا" حرج أيضا "في النظر إلى الشابة لعذر"، وبينه بقوله: "من شهادة عليها" في معاملة أو نكاح "وشبهه"، أي العذر، كالطبيب فإنه يجوز لكل النظر إليها، لكن الشاهد يجوز له النظر إلى وجهها وكفيها فقط، ومحل الجواز إذا كانت غير معروفة النسب)، إلى أن قال: (اعلم أن المرأة إذا كان يخشى من رؤيتها الفتنة وجب عليها ستر جميع جسدها حتى وجهها وكفيها، وأما إن لم يخش من رؤيتها ذلك فإنما يجب عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها، ولما قاله القاضي عياض وغيره من أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها وكفيها، وإنما يستحب لها ذلك، وعلى الرجل غض بصره عن النظر إليها بشهوة، هذا ملخص كلامهم، وأقول: الذي يقتضيه الشرع وجوب سترها وجهها في هذا الزمان، لا لأنه عورة وإما ذلك لما تعورف عند أهل الزمان الفاسد أن كشف المرأة وجهها يؤدي إلى تطرق الألسنة إلى قذفها، وحفظ الأعراض واجب كحفظ الأديان والأنساب)، ثم قال في ص٢٧٨: (وإنما ندب النظر إلى خصوص الوجه والكفين لأنه يستدل برؤية الوجه على الجمال، وبرؤية الكفين على خصب البدن، ومحل الجواز إذا كان الخاطب يعلم أنها أو وليها يجيبه إلى ذلك وإلا لم يجز النظر إليها، فتلخص أن الجواز مقيد بقيدين: علمها، والعلم بإجابتها، ولعل المراد بعدم الجواز عند انتفاء ذلك الكراهة حيث لم يخش الافتتان برؤيتها وإلا حرم، وإنما كره النظر إليها عند عدم خشية الافتتان برؤيتها، لأن النظر إلى مثلها على هذا الوجه مظنة قصد اللذة، ولا يقال مقتضى هذا التعليل كراهة النظر إلى وجهها وكفيها ولو مع العلم بإجابتها لأنا نقول: الشارع أجاز ذلك بشرطه نظرا إلى مصلحته وهو استدامة العشرة مع الزوج إذا تزوجها بعد النظر، وقيدنا بقولنا: "إذا كان قصده إلخ" للاحتراز عما لو نظر إليها بقصد الالتذاذ بها في تلك الحالة مع معرفة وصفها، فإنه لا يجوز نظره إليها لأنها أجنبية منه، وقيدنا بقولنا "بنفسه" لأن الخاطب لغيره لا يجوز له النظر إلى وجه المخطوبة، وإنما أطلنا في ذلك لداعي الحاجة إليه).
وقال النفراوي في الفواكه الدواني ج٢ ص٣١٣: (فالحاصل أن النساء على ثلاثة أقسام: شابة غير مخشية الفتنة ومن في حكمها، فهذه لا تخرج إلا لصلاة الفرض في المسجد أو لجنازة من تتأثر بموته كما قال المصنف، ومتجالة لا رغبة للرجال فيها وهذه تخرج لكل شيء، وشابة يخشى الافتتان بها، فهذه لا تخرج أصلا، ولا يقضى على زوج الشابة ومن في حكمها بالخروج لنحو صلاة الفرض، ولو شرط لها في صلب عقدها وحيث ساغ خروجها فلا تخرج إلا في زمن أمن من الرجال، فلا يجوز لها الخروج في وقت يخشى عليها فيه، ولا تخرج إلا في ثياب الزينة، ولا تمشي إلا بعيدة عن الرجال، وأن لا تتطيب وأن تبالغ في الستر لما لا يحل النظر إليه كذراعها أو ساقها لا كفيها ولا وجهها، إلا أن تكون جميلة أو يكثر الفساد، فيجب عليها ستر حتى الوجه والكفين).
٧٨ - مصطفى الرماصي (ت١١٣٦هـ)
قال البناني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل ج١ ص٣١٠: ("وهي من رجل وأمة وإن بشائبة وحرة مع امرأة بين سرة وركبة"، قال طفى [رمز مصطفى الرماصي]: "ظاهره أن عورة الحرة مع المرأة ما بين سرة وركبة بالنسبة للصلاة إذ هو المقام، وليس كذلك، وكأنه خالف بما قاله أهل المذهب لإطباقهم على أن عورتها ما عدا الوجه والكفين بالنسبة للصلاة كانت مع رجل أو نساء أو في خلوة، قال في الجواهر: الحرائر جميع أبدانهن عورة إلا الوجه والكفين وكذا قال عبد الوهاب وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد من المحققين من أهل المذهب، وكأن المصنف رحمه الله التبس عليه عورة الصلاة والنظر فسوى بينهما، ولذا تجده تارة يعبر بالعورة وتارة بالرؤية، ويقيد الحرة بكونها مع المرأة ومع المحرم ومع الأجنبي، وذلك كله بالنسبة للنظر، أما العورة بالنسبة للصلاة فلا يختلف حالها مع الرجال ولا مع النساء ولا في الخلوة").
٧٩ - علي بن عبدالصادق الطرابلسي (ت١١٣٨هـ)
قال علي بن عبدالصادق الطرابلسي في إرشاد المريدين لفهم معاني المرشد المعين ص٣١٥: (ولما كانت العورة تختلف باختلاف الأشخاص مع بعض بيّن بقوله: "وما عدا وجه لحرة وكف الحرة" .. والمعنى: أن ما عدا وجهها وكفيها بالنسبة للصلاة يجب ستره، ولو بخلوة أو نساء أو زوج، لعدم الأمن من تطلع أجنبي .. مثل الوجوب في ستر العورة بالنسبة للنظر .. وعورة الحرة مع الأجنبي: غير الوجه والكفين، ومع المحرم: غير الوجه والأطراف، وترى من الرجل الأجنبي ما يراه من محرمه، ومن محرمها ما عدا العورة، وهو ما بين السرة والركبة، كالرجل مع مثله).
وقال علي بن عبدالصادق الطرابلسي في إرشاد المريدين لفهم معاني المرشد المعين ص٦٠٦ في شرح البيت
"تمنع الأنثى لبس قفاز كذا / سترا لوجه لا لستر أُخذا"
فقال: ("لا لستر أخذا" أي إلا إن كان اتخاذه للستر عن الناس فلا يحرم عليها حينئذ، وظاهره: ولم يتلذذ برؤية وجهها، هذا وأنت خبير بأنه محرم على المحرمة ستر وجهها، فيجب ترك ستره، فكيف بترك واجب لأمر لا يطلب لأن وجه المرأة ليس بعورة، وقد يقال إن قوله: "إلا لستر" في الحالة التي يجب عليها فيها الستر وهي ما إذا كان منها تخشى الفتنة أو عليها، وعلمت أن نظره إليها بقصد التلذذ، والله أعلم).
٨٠ - علي العدوي (ت١١٨٩هـ)
قال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب ج١ ص١٧٠: (قوله: "عورة الرجل من السرة إلى الركبة" أي: بالنسبة للصلاة وبالنسبة للرؤية، وهذا يقتضي أن الفخذ من الرجل عورة، فيجب عليه ستره ويحرم عليه كشفه والنظر إليه، وهو ما اختاره ابن القطان وظاهر المختصر، وشهر في المدخل كراهة النظر له ومثله لابن رشد، واستظهر بعض الشراح أن النظر لفخذ الأمة حرام بلا نزاع، ويحرم على الرجل تمكين الدلاك من الفخذ ولو على رأي من يقول بكراهة النظر له ؛ لأن المباشرة أشد من النظر، وقولنا: "بالنسبة للرؤية" أي رؤية رجل له أو محرم ولو محرم رضاع أو صهر، وظاهره ولو كافرا كما قال الخرشي، وأما بالنسبة لرؤية المرأة الأجنبية له - ولو أمة - فهي ما عدا الوجه والأطراف، قوله: "على المشهور" راجع للطرفين، أعني قوله: "من السرة للركبة"، وقوله: "وهما غير داخلين فيها على المشهور"، فمقابل المشهور في الأول: قول أصبغ: "إنها السوأتان فقط"، وقول ابن الجلاب: "إنها السوأتان والفخذان"، وقيل غير ذلك، ومقابل المشهور في الثاني: قول بعض أصحابنا إنها من السرة حتى الركبة، قوله: "وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين" هذا بالنسبة للصلاة على ما تقدم تفصيله، وأما بالنسبة للرؤية فالحال مختلف فنبينه فنقول: عورة الحرة مع امرأة ولو أمة: ما بين سرة وركبة إلا أن تكون المرأة كافرة، فيحرم على الحرة المسلمة كشف شيء من بدنها إلا وجهها وأطرافها بين يديها، ولا يلزم من حرمة الكشف كون ذلك عورة إلا أن تكون الكافرة أمتها، وإلا كانت عورتها معها كرجل مع مثله، أي ما بين السرة والركبة، وأما عورة الحرة مع الذكور المسلمين الأجانب فجميع جسدها إلا وجهها وكفيها، ومثل الأجانب عبدها إذا كان غير وغد سواء كان مسلما أو كافرا فلا يرى منها إلا وجهها وكفيها، وأما الكافر غير عبدها فجميع جسدها حتى الوجه والكفين، وأما عورتها مع محرمها أو مع عبدها المسلم أو الكافر إذا كان وغدا فجميع جسدها إلا الوجه والأطراف، فلا يجب عليها ستر الوجه والأطراف بالنسبة لمحرمها وعبدها المذكور، وحينئذ فليس للرجل أن يرى من محرمه ثديها وصدرها وساقها، ومثله الوغد في ذلك، وترى منه ما عدا ما بين السرة والركبة، وترى من الأجنبي الوجه والأطراف فقط، قوله: "وعورة الأمة القن إلخ" أي بالنسبة للرؤية والصلاة: ما بين السرة والركبة، إلا أنها تساوي الرجل من كل وجه .. واعلم أنه إذا خشي من الأمة الفتنة وجب الستر لدفع الفتنة، لا لأن ذلك عورة ابن غازي إلخ، ومثلها الشاب الأمرد الذي يخشى منه الفتنة).
وقال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب ج١ ص٥٥٤ تعليقا على قول أبي الحسن علي الموفي الشاذلي "ولها أن تستر وجهها وكفيها"، قال: (قوله: "ولها إلخ" ظاهره: ولو لم يخش منها الافتتان، وليس كذلك، والحاصل أنه يجب على المرأة كشف وجهها وكفيها إلا أن يخشى منها الفتنة، فيجب عليها الستر بأن تسدل شيئا على وجهها من غير غرز ولا ربط، ولا يشترط مباعدته عن وجهها).
وقال علي العدوي في حاشيته (مطبوعة مع شرح الخرشي) ج٢ ص٤٥: (قوله " إلا لستر"، أي إلا لقصد ستر أي حيث علمت أو ظنت أن يُنظر لها بقصد لذة، كذا قرر، أي ولو مع ملاصقة، وانظر في حالة الشك، والظاهر أنه في حالة الشك يحرم الستر، لأن الحرمة متحققة فلا ينتقل عنها إلا بأمر قوي ولا يكون إلا ظن الفتنة أو تحققها لا شكها).
وقال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب الرباني ج٢ ص٤١١: (وأما لو نظر إليها من يلتذ بها فينزل على النظر للشابة لأن كل ساقطة لها لاقطة، قوله: "لعذر من شهادة إلخ": المذهب أنه يجوز النظر للشابة أي لوجهها وكفيها لغير عذر بغير قصد التلذذ حيث لم يخش منها الفتنة، وما ذكره الشيخ ليس هو المذهب، قاله عج [رمز علي الأجهوري] .. قوله: "فإنه لا يجوز النظر اتفاقا" ظاهره الحرمة، والظاهر أنه لا يأتي على المعتمد من أنه يجوز النظر لوجه المرأة الأجنبية بدون لذة وقصدها).
وقال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب ج٢ ص٤٥٢: (وقد تقدم أن عورة المرأة بالنظر للأجنبي ما عدا الوجه والكفين).
وقال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب ج٢ ص٤٥٧: (قوله: "وأن لا يظهر منها" بأن لا يظهر منها شيء أصلا، أو يظهر وجهها وكفاها لمن لا يلتذ بذلك).
وقال علي العدوي في حاشيته على كفاية الطالب ج٢ ص٤٥٨ تعليقا على قول صاحب الكفاية: (ولا بأس أن يراها، بمعنى: يجوز للرجل أن يرى ما ليست محرما منه لأجل عذر من شهادة عليها أو لها، ونحو ذلك كنظر الطبيب أو إذا خطبها لنفسه، وهذا كله في غير المتجالة، وأما المتجالة وهي التي لا أرب للرجال فيها لكبر سنها "فيباح له" أي: للأجنبي أن يرى وجهها على كل حال لعذر وغيره، وما قاله تكرار مع ما قدمه في الباب الذي قبل هذا) فقال علي العدوي تعليقا على ذلك: (قوله: "من شهادة عليها إلخ" .. وقد تقدم ضعف هذا وأنه يجوز رؤية الوجه والكفين مطلقا حيث أمنت الفتنة).
وقال علي العدوي في حاشيته على شرح الخرشي لمختصر خليل ج١ ص٢٤٦: (قوله: "بالنسبة للرؤية وللصلاة" الأحسن قصره على الرؤية، لأن الصلاة الحالة فيها واحدة فلا يقال فيها: "مع مثله" ولا يقال فيها: "مع رجل إلخ". قوله: "ما بين السرة والركبة إلخ" أي: عورة الرجل مع مثله ما بين السرة والركبة، وهو موافق لما قاله ابن القطان من حرمة النظر لفخذ الرجل وشهر في المدخل الكراهة، والظاهر أن النظر لفخذ الأمة حرام بلا نزاع شب [رمز الشبراخيتي]، وأما مع المرأة فما عدا الوجه والأطراف، فاختلف عورة الرجل مع مثله ومع المرأة هذا بالنسبة للرؤية، وأما بالنسبة للصلاة: فما بين السرة والركبة، وعورة الأمة بالنسبة للصلاة كذلك، وإنما قلنا الأولى قصره على الرؤية وإن كان الحكم كذلك في الصلاة لأن المعية ما تظهر إلا في الرؤية. قوله: "ولو كافرة" أي وإن حرم على حرة مسلمة كشف شيء من بدنها إلا وجهها وأطرافها بين يدي حرة كافرة، إذ لا يلزم من حرمة الكشف كون ذلك عورة، قوله: "مع غير أجنبية" أي: مع غير امرأة أجنبية كانت الأجنبية حرة أو أمة، وهذا أحسن من قوله أول العبارة: "مع رجل" فإنه قاصر، والحاصل أن عورة الرجل مع مثله أو مع امرأة محرم: ما بين سرة وركبة وأما مع الأجنبية: فما عدا الوجه والأطراف، فالأجنبية - ولو أمة - لا ترى منه إلا ما يراه الرجل مع محرمه، وهو ينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة، والفرق قوة داعيتها للرجل وضعف داعيته إليها، والحاصل أن عورة الحرة المسلمة مع الكافرة غير أمتها: جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، وأما عورتها مع أمتها الكافرة فكعورتها مع امرأة مسلمة ؛ جميع ما بين سرتها وركبتها، كذا أفاده بعض الشيوخ، ولكن الأحسن أن يقال: إن عورتها مع الكافرة كعورتها مع المسلمة غير أنه يحرم عليها أن تكشف لها أزيد من الوجه والكفين، لأنه لا يلزم من حرمة الكشف كونه عورة. قوله: "فإن قلت إلخ" هذا سؤال وارد على قوله: "وإنما قلنا إلخ "كأنه يقول: لا حاجة لهذا كله، لأن الكلام في الرؤية بالنسبة للصلاة. قوله: "قلت يرده إلخ" أي: ويصح ما قلنا من أنه بالنسبة للرؤية والصلاة، هذا مفاد أول كلامه، إلا أن قوله: "في العورة التي لا ترى" يقصره على الرؤية ..والمعنى أن عورة الحرة مع الرجل الأجنبي كان حرا أو عبدا مسلما أو كافرا، ولا يلزم من حرمة كشفها للكافر أن تكون عورة، خلافا لعب، والحاصل أنه لا يجوز للحرة المسلمة أن تبدي شيئا من جسدها ولو وجها أو يدا لكافر وإن لم يكن عورة، فالأولى التعميم كما قلنا كما قرره شيخنا الصغير رحمه الله تعالى).
وقال علي العدوي في حاشيته على شرح الخرشي لمختصر خليل ج٢ ص٣٤٥ فيما يحرم على المرأة في الحج: (قوله: "وستر وجه" أي بعضه ولو لم يلاصقه، قوله: "إلا لستر"، أي: إلا لقصد ستر، أي حيث علمت أو ظنت أنه ينظر لها بقصدة لذة، كذا قرر أي ولو مع ملاصقة، وانظر في حال الشك، والظاهر أنه في حالة الشك يحرم الستر لأن الحرمة متحققة فلا ينتقل عنها إلا بأمر قوي، ولا يكون ظن الفتنة أو تحققها لا شكها).
٨١ - الصفتي (ت١١٩٣هـ)
قال الصفتي في حاشيته على الجواهر الزكية ج١ ص٣٣٦: (وأما العورة المطلوب سترها عن الأعين فهي من رجل مع مثله، وعورة الحرة مع الأجنبي جميع بدنها حتى دلائلها وقصتها، ما عدا الوجه والكفين، فإن كانت جميلة يخشى منها الفتنة وجب عليها سترهما).
٨٢ - محمد بن الحسن البناني (ت١١٩٤هـ)
قال البناني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل ج١ ص٣١٠: ("وهي من رجل وأمة وإن بشائبة وحرة مع امرأة بين سرة وركبة"، قال طفى [رمز مصطفى الرماصي]: "ظاهره أن عورة الحرة مع المرأة ما بين سرة وركبة بالنسبة للصلاة إذ هو المقام، وليس كذلك، وكأنه خالف بما قاله أهل المذهب لإطباقهم على أن عورتها ما عدا الوجه والكفين بالنسبة للصلاة كانت مع رجل أو نساء أو في خلوة، قال في الجواهر: الحرائر جميع أبدانهن عورة إلا الوجه والكفين وكذا قال عبد الوهاب وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد من المحققين من أهل المذهب، وكأن المصنف رحمه الله التبس عليه عورة الصلاة والنظر فسوى بينهما، ولذا تجده تارة يعبر بالعورة وتارة بالرؤية، ويقيد الحرة بكونها مع المرأة ومع المحرم ومع الأجنبي، وذلك كله بالنسبة للنظر، أما العورة بالنسبة للصلاة فلا يختلف حالها مع الرجال ولا مع النساء ولا في الخلوة" اهـ. قلت: اعلم أن العورة قسمان: عورة النظر وعورة الصلاة، والثانية قسمان: مغلظة ومخففة، والمغلظة هي محل الخلاف، وكان مقتضى الإيضاح أن يذكر المصنف المغلظة ثم يذكر المخففة وحكمها ثم يذكر عورة النظر وتفصيلها، لكن دعاه إلى إدماج بعضها في بعض إرادة الاختصار مع أن في كلامه عند التأمل ما يرشد إلى جميعها وإلى الفرق بينها مع بيان حكمها، فإطلاقه في قوله: "وهي من رجل وأمة" يرشد إلى استواء عورة النظر وعورة الصلاة في الرجل والأمة، وأنها فيهما ما بين سرة وركبة في الصلاة وغيرها وهو ظاهر، وتقييده عورة الحرة بقوله: "مع امرأة" و "مع أجنبي" و "مع محرم" قرينة أن قصده بيان عورة النظر في الحرة، وأما عورة الصلاة فيها فتؤخذ من قوله: "وأعادت لصدرها وأطرافها الخ"، فإنه يدل على أنها مطلوبة في الصلاة بستر أطرافها، وحكمه في الصدر والأطراف وفي فخذ الأمة الخ بالإعادة في الوقت يرشد إلى الفرق بين المغلظة والمخففة، وهذا كله ظاهر لمن استعمل فكره، وبه يخف اعتراض طفى ويسقط قوله: "إن المصنف التبست عليه عورة النظر الخ" فإنه كلام مستبشع جدا في مثل المصنف، وكيف يظن به ذلك مع أنه لا يلتبس على الأصاغر والله أعلم. وقول ز [رمز الزرقاني]: "كأم ولد ومكاتبة الخ" في ذكره أم الولد نظر، ففي ابن عرفة: "وكل ذات رق كالأمة إلا أم الولد" اهـ، وفي المدونة: "ولا تصلي أم الولد إلا بقناع كالحرة" اهـ، وقد يقال في الجواب: إن سترها ما زاد على ما بين السرة والركبة مندوب فقط كما يأتي في قوله: "ولأم ولد وصغيرة"، والكلام هنا فيما هو عورة يجب ستره، وقول ز: "إن مع امرأة راجع للأخيرتين كالأول الخ" غير صحيح، والصواب رجوعه للحرة فقط كما قرره أولا، وقول ز: "لكن يقيد بمحرم الخ" هذا مبني على أن عورة الرجل مع الأجنبية ما عدا الوجه والأطراف كما يأتي، والصواب خلافه كما يأتي له، فيبقى كلام المصنف مطلقا تأمله .. وقول ز: "إلا وجهها وأطرافها بين يدي حرة كافرة الخ"، صوابه: إلا وجهها وكفيها كما في ضيح، وقول ز: "لا يلزم من حرمة الكشف كون ذلك عورة الخ" فيه نظر، إذ الموضوع هنا عورة النظر ولا معنى لها إلا حرمة الكشف، ونص ضيح عن أبي عبد الله بن الحاج: "وأما الكافرة فالمسلمة معها كالأجنبية مع الرجل اتفاقا" اهـ، أي عورتها معها ما عدا الوجه والكفين، وقول ز: "وأما بالنسبة للصلاة فجميع جسدها الخ"، أي: غير الوجه والكفين، وتقدم أن هذا مما أطبق عليه أهل المذهب، "ومع أجنبي غير الوجه والكفين" قول ز: "إلا لخوف فتنة أو قصد لذة فيحرم"، أي النظر إليها، وهل يجب عليها حينئذ ستر وجهها ؟ وهو الذي لابن مرزوق في اغتنام الفرصة قائلا: "إنه مشهور المذهب"، ونقل ح [رمز الحطاب الرعيني] أيضا الوجوب عن القاضي عبد الوهاب، أو لا يجب عليها ذلك وإنما على الرجل غض بصره وهو مقتضى نقل ق [رمز المواق] عن عياض، وفصّل الشيخ زروق في شرح الوغليسية بين الجميلة فيجب عليها وغيرها فيستحب).
وقال البناني في حاشيته على شرح الزرقاني ج٣ ص٢٨٩: ("ونظر وجهها وكفيها" ظاهر المصنف أن النظر مستحب، والذي في عبارة أهل المذهب الجواز، ولم يحك ابن عرفة الاستحباب إلا عن ابن القطان، انظر طفى [رمز مصطفى الرماصي] وق [رمز المواق]، وقول ز [رمز الزرقاني]: "ويشترط أيضا أن يعلم أنها تجيبه الخ" صوابه أن لا يعلم عدم الإجابة بأن علمها أو لم يعلم شيئا، وقول ز: "وينبغي جواز ذلك بالأولى الخ" فيه نظر، إذ لم يجوزوا النظر إلا لما ليس بعورة وهو الوجه والكفان، وما عدا ذلك عورة فلا سبيل للنظر له هنا على كل حال، وقد اعترضه الشيخ أبو علي بذلك فانظره، وقول ز: "صرح به ح عن البرزلي الخ"، نص البرزلي انظر هل يفوض له في النظر إليها على حسب ما كان له ثم قال: "والظاهر الجواز ما لم يخف عليه مفسدة من النظر إليها" اهـ، واعترضه بعض الشيوخ بأن "نظر الخاطب مختلف فيه فكيف يسوغ لوكيله" انتهى).
٨٣ - الدردير (ت١٢٠١هـ)
قال الدردير في الشرح الكبير (مطبوع مع حاشية الدسوقي) ج١ ص٢١٢: (والخلاف في [العورة] المغلظة، وهي من رجل: السوأتان، وهما من المقدم الذكر والأنثيان، ومن المؤخر ما بين أليتيه، فيعيد مكشوف الأليتين والعانة كلا أو بعضا بوقت، "ومن أمة": الأليتان والفرج وما والاه، "ومن حرة": ما عدا صدرها وأطرافها، وليس منها الساق على الظاهر بل من المخففة، والمصنف ذكر العورة الشاملة للمغلظة والمخففة بالنسبة للصلاة وللرؤية إجمالا فقال: "وهي من رجل" مع مثله أو مع محرمه "و" من "أمة" مع رجل أو امرأة "وإن" كانت الأمة "بشائبة" من حرية كأم ولد، "و" من "حرة مع امرأة" حرة أو أمة ولو كافرة: "ما بين سرة وركبة" راجع للثلاثة، وهو بيان لها بالنسبة للرؤية وكذا بالنسبة للصلاة في حق الأوليين الشاملة للمغلظة والمخففة، فإذا خيف من أمة فتنة وجب ستر ما عدا العورة لخوف الفتنة لا لكونها عورة، وكذا يقال في نظيره كستر وجه الحرة ويديها، والحاصل أن العورة يحرم النظر لها ولو بلا لذة، وغيرها إنما يحرم له النظر بلذة، وعطف على "مع امرأة" قوله: "و" هي من حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم "غير الوجه والكفين" من جميع جسدها حتى قصتها وإن لم يحصل التلذذ، وأما مع أجنبي كافر فجميع جسدها حتى الوجه والكفين، هذا بالنسبة للرؤية وكذا الصلاة .. "و" من حرة "مع" رجل "محرم" ولو بصهر أو رضاع "غير الوجه والأطراف" فلا يجوز نظر صدر ولا ظهر ولا ثدي ولا ساق وإن لم يلتذ، بخلاف الأطراف من عنق ورأس وظهر قدم إلا أن يخشى لذة فيحرم ذلك لا لكونه عورة كما مر، "وترى" المرأة حرة أو أمة "من" الرجل "الأجنبي ما يراه" الرجل "من محرمه": الوجه والأطراف، إلا أن تخشى لذة، "و" ترى "من المحرم" ولو كافرا "كرجل مع مثله" ما عدا ما بين السرة والركبة، "ولا تطلب أمة" ولو بشائبة غير أم ولد "بتغطية رأس" في الصلاة لا وجوبا ولا ندبا بخلاف غير الرأس فمطلوب، "وندب" لغير مصل من رجل أو امرأة "سترها"، أي العورة المغلظة "بخلوة" حياء من الملائكة، وكره كشفها لغير حاجة، والمراد بها هنا على ما قاله ابن عبد السلام السوأتان وما قاربهما من كل شخص).
وقال الدردير في الشرح الكبير ج٢ ص٥٥ (مطبوع مع حاشية الدسوقي) فيما يحرم على المرأة بعد الإحرام: ("وستر وجه" أو بعضه "إلا لستر" عن أعين الناس فلا يحرم، بل يجب إن ظنت الفتنة بها).
وقال الدردير في الشرح الكبير ج٢ ص٢١٥: ("و" ندب للخاطب "نظر وجهها وكفيها" إن لم يقصد لذة وإلا حرم، "فقط" دون غيرهما لأنه عورة فلا يجوز، هذا هو المراد "بعلم" منها أو من وليها، ويكره استغفالها).
وقال الدردير في الشرح الصغير (مطبوع مع حاشية الصاوي) ج١ ص٢٨٨: ("وعورة الرجل" التي يجب عليها سترها "و" عورة "الأمة" القن بل "وإن بشائبة" كأم ولد ومكاتبة ومبعضة مع رجل أو مع امرأة محرم له، "و" عورة "الحرة" البالغة "مع امرأة" كبيرة حرة أو أمة أو كافرة، فقوله: "مع امرأة" قيد الحرة، وقوله: "ما بين سرة وركبة" راجع للثلاثة، "و" عورة الحرة "مع رجل أجنبي" منها أي ليس بمحرم لها جميع البدن "غير الوجه والكفين"، وأما هما فليسا بعورة وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة، ويجب سترها أي العورة المذكورة لرجل أو أمة أو حرة مع أجنبي "بالصلاة أيضا" كما يجب سترها بالنسبة لرؤية من ذكر، لكن المغلظة من ذلك تعادل تركها أبدا، والمخففة بعضها تعادله في الوقت كالفخذين في الأمة والأطراف في الحرة، وبعضها لا تعادله أصلا كما عدا الفخذين في الأمة غير أم الولد، وما عدا الأليتين في الرجل كما علم مما تقدم، "و" عورة المرأة "مع" رجل "محرم" لها: "غير الوجه والأطراف": الرأس واليدين والرجلين، فيحرم عليها كشف صدرها وثدييها ونحو ذلك عنده، ويحرم على محرمها كأبيها رؤية ذلك منها وإن لم يلتذ، "وترى" المرأة: حرة أو أمة "من" الرجل "الأجنبي" منها أي غير المحرم "ما يراه" الرجل "من محرمه" وهو الوجه والأطراف إلا أن تخشى لذة، فلا يجوز لها أن تنظر لصدره ولا جنبه ولا ظهره ولا ساقه، ولو لم تخف لذة، "و" ترى المرأة "من المحرم" ولو من رضاع "كرجل مع مثله"، أي كما يرى الرجل من الرجل، وهو ما عدا ما بين سرة وركبة).
وقال الدردير في الشرح الصغير ج٢ ص٧٥ (مطبوع مع حاشية الصاوي): ("و" حرم عليها "ستر وجهها" أو بعضه ولو بخمار أو منديل، وهذا معنى قولهم إحرام المرأة في وجهها وكفيها فقط، وحرمة ستر وجهها "إلا لفتنة" أي: تعلق قلوب الرجال بها، فلا يحرم بل يجب عليها ستره إن ظنت الفتنة بها "بلا غرز" للساتر بإبرة ونحوها "و" بلا "ربط").
وقال الدردير في الشرح الصغير ج٢ ص٣٤٠ (مطبوع مع حاشية الصاوي): ("و" ندب "نظر وجهها" أي الزوجة "وكفيها" خاصة "قبله"، أي: قبل العقد ليعلم بذلك حقيقة أمرها "بعلم" منها أو من وليها، ويكره استغفالها).
٨٤ - التاودي بن سودة الفاسي (ت١٢٠٩هـ)
قال المهدي الوزاني في النوازل الصغرى ج٢ ص٧١: (وسئل [التاودي] عن نظر الرجل إلى زوجة أخيه وعمه، وعن هدايا الأعراس والأعياد وغرامة الطبالين ونحولها. فأجاب: الحمد لله بإعانة الله ومنته، أما المسألة الأولى وهي عدم احتجاب المرأة من أخي زوجها وابن أخيه، فقد سهل بذلك أمرها، إذا كان الذي يبدو منها لمن ذكر هو الوجه والكفان والقدمان واليدان، لما قيل من أن ذلك ليس بعورة فلا يحرم النظر إليه إلا بقصد شهوة أو مع قصد لذة، وجائز أن ينظر ذلك منها كل من نظر إليها من غير ريبة ولا مكروه، وأما النظر بشهوة فحرام ولو من فوق ثيابها، فكيف بالنظر إلى وجهها، وفي الأبي: "قال أبو عمر: قيل ما عدا الوجه والكفين والقدمين عورة، وفي ابن عرفة: الحرة عورة، [قال] الباجي: "ودلالها وقصتها"، [قال] الباجي: إلا وجهها وكفيها، ولأبي عمر: وقيل وقدميها" هـ، وفي الموطأ: "هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم أو مع غلامها" ؟ قال مالك: "لا بأس بذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل مع الرجال"، وقيل: تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يواكله، قال ابن القطان: "فيه إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا"، وقد أبقاه الباجي على ظاهره، وقال صاحب الكنز من الحنفية ما نصه: "وبدن الحرة عورة إلا وجهها وكفها وقدميها، وكشف ربع ساقيها يمنع، وكذا الشعر والبطن والفخذ" هـ، فإذا كان عدم احتجاب المرأة من أخي زوجها وابن أخيه بمعنى أنها لا تغطي منه الوجه والكفين وأطراف اليدين والقدمين مع كونها لا تبرج بذلك، وإنما هو لضرورة المجاورة والسكنى في دار واحدة، يتفق أن يدخل فيراها فتذهب لبيتها ويغض هو مع ذلك بصره ؛ فهذا أمر لا بأس به إن شاء الله، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليس عليك من غير تعمد حرج"، قال عياض: "في هذا كله عند العلماء حجة أنه ليس بواجب أن تستر المرأة وجهها، وإنما ذلك استحباب وسنة لها، وعلى الرجل غض بصره عنها"، والحاصل أن النظر بشهوة حرام ولا يجوز ما يؤدي إليه، وكذا النظر للفخذ والبطن أو نحوهما حرام مطلقا، كما تحرم الخلوة على كل حال، ونظر الفجأة تقدم استثناؤها والله أعلم).
٨٥ - الشيخ مبارك بن علي بن حمد الأحسائي (ت١٢٣٠هـ)
قال الشيخ مبارك بن حمد الأحسائي في تسهيل المسالك إلى هداية السالك إلى مذهب الإمام مالك ج٢ ص٢٧٦: ("و" هي من حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم ولو عبدها غير الوغد فيما يظهر جميع جسدها "غير الوجه والكفين"، حتى دلاليها وقصتها، وأما الوجه والكفان ظاهرهما وباطنهما فله رؤيتهما مكشوفين ولو شابة بلا عذر، من شهادة أو طلب، لا لخوف فتنة أو قصد لذة فيحرم).
٨٦ - الرهوني (ت١٢٣٠هـ)
قال الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني ج١ ص٣٤٣: ("ومع أجنبي غير الوجه والكفين"، [قال] ابن عرفة: الحرة عورة، [وقال] الباجي: "ودلالها وقصتها إلا وجهها ويديها، ولأبي عمر وقيل قدميها" اهـ منه بلفظه، وقول ز [الزرقاني]: "فله رؤيتهما ولو بلا عذر"، اقتصر على هذا لما أفاده كلام ابن محرز من أنه متفق عليه، وظاهر كلام الشيخ أبي محمد في رسالته أنه لا يجوز إلا لعذر، والجواز هو ظاهر كلام الإمام في الموطأ، انظر ق [المواق] و ح [الحطاب الرعيني]).
وقال الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني ج٢ ص٤٥٤: (والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إحرام المرأة في وجهها"، ونهيه النساء عن لبس النقاب في الإحرام، فإذا ثبت ذلك لم يجز لها تغطية وجهها إلا أن يكون هناك جمال يخاف فيه الفتنة، فيجوز لها أن تسدل الثوب عليه بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها اهـ منه بلفظه).
٨٧ - محمد الدسوقي (ت١٢٣٠هـ)
قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير ج١ ص٢١٣: (قوله: "وهي من رجل" أراد به الشخص الذكر ولو جنيا، فعورته ما بين السرة والركبة، قوله: "مع مثله أو مع محرمه" أي من النساء، وأما عورته مع امرأة أجنبية سواء كانت حرة أو أمة فهي ما عدا الوجه والأطراف .. والكلام هنا فيما هو عورة يجب ستره .. وأما الحرة الكافرة فعورة الحرة المسلمة معها على المعتمد ما عدا الوجه والكفين كما في بن [رمز البناني]، لا ما بين السرة والركبة فقط كما هو ظاهر الشارح، وقول عبق [رمز عبدالباقي الزرقاني]: "ما عدا الوجه والأطراف" ممنوع، بل في شب [رمز الشبرخيتي] حرمة جميع المسلمة على الكافرة لئلا تصفها لزوجها الكافر، فالتحريم لعارض لا لكونه عورة كما أفاده شيخنا وغيره، قوله: "وهو بيان لها" أي للعورة بالنسبة للرؤية في حق الثلاثة، وعلى هذا فلا يجوز للرجل أن يرى الفخذ من مثله .. قوله: "وجب ستر ما عدا العورة" أي زيادة على ستر العورة، قوله "كستر وجه الحرة ويديها" أي فإنه يجب إذا خيف الفتنة بكشفها، قوله: "والحاصل أن العورة يحرم النظر إليها ولو بلا لذة" هذا إذا كانت غير مستورة، وأما النظر إليها مستورة فهو جائز بخلاف جسها من فوق الساتر فإنه لا يجوز، هذا إذا كانت متصلة فإن انفصلت فلا يحرم جسها، قوله: "مع رجل أجنبي مسلم" أي سواء كان حرا أو عبدا ولو كان ملكها، قوله: "غير الوجه والكفين" أي: وأما هما فغير عورة يجوز النظر إليهما، ولا فرق بين ظاهر الكفين وباطنهما بشرط أن لا يخشى بالنظر لذلك فتنة، وأن يكون النظر بغير قصد لذة وإلا حرم النظر لهما، وهل يجب عليها حينئذ ستر وجهها ويديها ؟ وهو الذي لابن مرزوق قائلا: "إنه مشهور المذهب"، أو لا يجب عليها ذلك وإنما على الرجل غض بصره وهو مقتضى نقل المواق عن عياض، وفصّل زروق في شرح الوغليسية بين الجميلة فيجب عليها وغيرها فيستحب، انظر بن، قوله: "هذا بالنسبة للرؤية" أي: هذا عورتها بالنسبة للرؤية وكذا بالنسبة للصلاة الشاملة للمغلظة والمخففة، والمشار إليه غير الوجه والكفين) إلى أن قال في ص٢١٢: (قد علم من قول المصنف: "وأعادت إلخ" عورة الحرة بالنسبة للصلاة، لأنه يعلم من حكمه بالإعادة في الوقت لكشف الأطراف أنها عورة مخففة، ويعلم منه بطريق المفهوم أن غير الصدر والأطراف وهو البطن للركبة وما حاذى ذلك من ظهرها تعيد فيه أبدا لكونه عورة مغلظة)، إلى أن قال: (قوله: "فلا يجوز نظر صدر إلخ" أي: فلا يجوز للرجل أن يرى من المرأة التي من محارمه صدرها إلخ، وأجاز الشافعية رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة وذلك فسحة، قوله: "وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه" أي: وحينئذ فعورة الرجل مع المرأة الأجنبية ما عدا الوجه والأطراف، وعلى هذا فيرى الرجل من المرأة إذا كانت أمة أكثر مما ترى منه، لأنها ترى منه الوجه والأطراف فقط وهو يرى منها ما عدا ما بين السرة والركبة، لأن عورة الأمة مع كل أحد ما بين السرة والركبة كما مر، قوله: "وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه" يعني أنه يجوز للمرأة أن ترى من الرجل الأجنبي ما يراه الرجل من محرمه وهو الوجه والأطراف ـ وأما لمسها ذلك فلا يجوز، فيحرم على المرأة لمسها الوجه والأطراف من الرجل الأجنبي، فلا يجوز لها وضع يدها في يده ولا وضع يدها على وجهه، وكذلك لا يجوز له وضع يده في يدها ولا على وجهها، وهذا بخلاف المحرم فإنه كما يجوز فيه النظر للوجه والأطراف يجوز مباشرة ذلك منها بغير لذة، ثم إن قوله: "وترى من الأجنبي إلخ" مقيد لقوله فيما تقدم: "وهي من رجل ما بين سرة وركبة" أي أن عورة الرجل بالنسبة لغير المرأة الأجنبية بأن كان مع رجل مثله أو مع محرمه: ما بين سرة وركبة، أخذ مما ذكره هنا من أن عورته مع المرأة الأجنبية ما عدا الوجه والأطراف، وقد أشار الشارح لذلك سابقا، وذكر بعضهم أنه غير مقيد له لاختلاف موضعهما فيما سبق في العورة، وهذا في النظر، فما زاد على العورة وهي ما بين السرة والركبة لا يجب على الرجل ستره وإن حرم على المرأة الأجنبية النظر إليه، قوله: "ولا تطلب أمة إلخ" لما قدم تحديد عورة الأمة الواجب سترها أشار لحكم ما عداها قوله: "غير أم ولد" أي وأما أم الولد فيندب لها تغطية رأسها في الصلاة، بدليل قوله الآتي: "ولأم ولد وصغيرة" ستر واجب على الحرة فما يأتي مخصص لما هنا، قوله: "في الصلاة" أي وأما في غيرها فيندب كشفها اتفاقا، قوله: "لا وجوبا ولا ندبا" أي بل يجوز لها كل من الكشف والتغطية في الصلاة على حد سواء وهذا القول هو المعتمد، وقال سند: "إنه الصواب"، وهو ظاهر التهذيب، ونصه: "وللأمة ومن لم تلد من السراري والمكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها الصلاة بغير قناع وقيل يندب لها كشف رأسها وعدم تغطيتها في الصلاة كخارجها، وهو قول ابن ناجي تبعا لأبي الحسن، واقتصر عليه في الجلاب فقال: "يستحب لها أن تكشف رأسها في الصلاة"، وعلى هذا فتغطيتها في الصلاة إما مكروهة أو خلاف الأولى، وذكر عياض أنه يندب كشف رأسها بغير صلاة ويندب تغطيتها بها لأنها أولى من الرجال، ويدل لندب الكشف بغير صلاة ما ورد أن عمر كان يضرب الإماء اللاتي كن يخرجن إلى السوق مغطيات الرؤوس، ويقول لهن: "تتشبهن بالحرائر يا لكاع" ؟ وذلك أن أهل الفساد يجسرون على الإماء، فباللبس يجسرون على الحرة،كما قال تعالى: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ" الأحزاب، نعم حيث كثر الفساد كما في هذا الزمان فلا ينبغي الكشف لا في الصلاة ولا في غيرها بل ينبغي سترها لكن على وجه يميزها من الحرائر).
وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير ج٢ ص٥٥: (قوله: "إلا لستر"، هذا الاستثناء متصل لدخول ما بعد إلا فيما قبلها لولا الاستثناء، أي: إلا إذا أرادت بستر وجهها: الستر عن أعين الناس فلا يحرم ستره حينئذ حيث كان الستر من غير غرز وربط، قوله: "بل يجب إلخ" حاصله أنه متى أرادت الستر عن أعين الرجال جاز لها ذلك مطلقا، علمت أو ظنت الفتنة بها أم لا، نعم إذا علمت أو ظنت الفتنة بها كان سترها واجبا).
٨٨ - محمد الأمير (ت١٢٣٢هـ)
قال محمد الأمير في الإكليل شرح مختصر خليل ص٤٠: ("ومع أجنبي غير الوجه والكفين" ظهرا وبطنا، ومنعهما الشافعية، ويتفق عليه إن خشيت الفتنة كالجس .. "وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه": الوجه والأطراف، فيحرم صدره، "ومن المحرم كرجل مع مثله" ما بين السرة والركبة).
وقال محمد الأمير في ضوء الشموع شرح المجموع ج١ ص٣٢٦: (ضوء الشموع للأمير في الأعلى، وبعده حاشية حجازي العدوي، وبعده حاشية الأمير): ("ومع أجنبية وإن أمة غير الوجه والأطراف"، فيرى منها أكثر مما ترى منه كما قلت، "والأمة كالرجل مع مثله"، فعورتها مع كل أحد: بين السرة والركبة، "ومن الحرة مع امرأة" حرة أو أمة: "ما بين السرة والركبة"، ومن الضلال تجارؤ النساء على عورة بعضهن، "ولا تمكن" الحرة في الرؤية "كافرة إلا من الوجه والكفين" كما في بن [رمز البناني] وغيره، وقول عب [رمز عبدالباقي الزرقاني]: "والأطراف" ممنوع، بل في شب [رمز الشبراخيتي] حرمة جميع المسلمة على الكافرة لئلا تصفها لزوجها الكافر، فالتحريم لعارض لا لكونه عورة كما أفاده حش وغيره، ومن هنا الحرمة على الكافر نفسه أشد فمن الضلال تهاون النساء به، والخادم ومع أجنبي: غير الوجه والكفين، ومع محرم: غير الوجه والأطراف، فيحرم صدرها، وأجاز الشافعية ما عدا ما بين السرة والركبة وهي فسحة، "وعبدها" الوخش كالمحرم في الرؤية، وفي الخلوة خلاف، والجميل كالأجنبي وإن مجبوبا، وعبد الزوج المجبوب كعبدها، فإن كان وخشا فكالمحرم، وروى أن مجبوب الأجنبي كذلك وصوب خلافه).
وقال محمد الأمير في حاشيته على ضوء الشموع ج١ ص٥٣٤ في قوله عن المرأة التي تموت مع رجال ليس فيهم محرم لها: "ثم يممها أجنبي لكوعيها"، فقال: ("قوله: لكوعيها" لأنه إنما يرى وجهها وكفيها، ولما كانت الأجنبية ترى أطراف الأجنبي يممته لمرفقيه).
٨٩ - حجازي العدوي (ت١٢٣٢هـ)
قال حجازي عدوي في حاشيته على ضوء الشموع لمحمد الأمير ج١ ص٣٢٦ في حديثه عن عورة الرجل مع المرأة: (قوله: "والأطراف" هي وإن حرم رؤيتها للأجنبية لا يجب عليه سترته، وإنما يحرم عليها هي النظر إليه .. قوله: "حرة، أو أمة" ولو كافرة، وإن كان يحرم النظر لأكثر من ذلك كما يأتي، قوله: "لا لكونه عورة" لأن العورة ما كان حرمتها ذاتية، فلا يقال: لا معنى للعورة في الرؤية إلا ما يحرم كشفه، ألا ترى تحريم رؤية الوجه والكفين لخشية الفتنة).
قال حجازي عدوي في حاشيته على ضوء الشموع لمحمد الأمير ج١ ص٥٣٣ في المرأة تموت في رجال ليس فيهم محرم لها وكيف ييممونها: (قوله: "لمرفقيه" لأنه يباح لها نظر ذلك، ولذلك لما كان لا يباح له إلا نظر وجهها وكفيها يممها لكوعيها، وإن كان لا يلزم من جواز النظر المباشرة، إلا أن المحل ضرورة).
٩٠ - عبدالله بن إبراهيم العلوي (ت١٢٣٣هـ)
قال عبدالله بن الحاج إبراهيم العلوي في فتاويه ص١٢٠: (وعورة المراة الحرة بالنسبة إلى الصلاة: ما عدا الوجه والكفين اتفاقا، وعورة الصلاة لا يختلف حالها مع الرجال ولا مع النساء ولا في الخلوة، قاله الشيخ مصطفى [الرماصي] وغيره .. وعورتها بالنسبة إلى الستر هي ما أشار له بقوله: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين"، قيل: والقدمين، وهل يجب عليها ستر الوجه واليدين إذا خافت أن تفتن الناظر إليهما أو قصد هو اللذة ؟ وهو المشهور، أو: لا ؟ قولان، ولا خلاف أنه يحرم على الرجل حينئذ النظر إليهما، وأما إذا لم تخش الفتنة فالمشهور جواز النظر إليهما، وقيل: إن ذلك في المتجالة دون الشابة).
٩١ - القصري بن محمد المختار بن عثمان بن القصري (ت١٢٣٥هـ)
سئل القصري في نوازله ج١ ص٢٨٣: ٣٠٤ [١٣] عن حكم ترداد النظر وإدامته من رجل إلى امرأة من محارمه، أيجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب: (أنه لا يجوز ذلك إلى شابة من ذوي محارمه أو غيرهن إلا عند الحاجة إليه والضرورة في الشهادات ونحوها كما في عج [رمز علي الأجهوري] انتهى).
وسئل القصري في نوازله ج١ ص٢٨٤ (٣٠٦) [١٥] عن حكم نظر جوارج نساء إفلان وإسوانك المتخلقات بخلق نساء بنبار من كونهن لا يسترن في العادة من أجسامهن إلا ما تحت السرة للركبة ؟ فأجاب: (أنهن كغيرهن من الحرائر في وجوب غض البصر عنهن ما عدا وجوههن وأكفهن، ولا عبرة بعادة خالفت الشرع، وقد قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن ؟ قال: اصرف بصرك، كما في البخاري، وقال الله عز وجل في كتابه العزيز: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوْجَهُمْ"، و "مِنْ" في الآية للتبعيض، فلا يجب عليهم غض أبصارهم عما أحل الله عليهم من زوجة وأمة .. وعورة الحرة التي يجب على الأجنبي غض بصره عنها هي المشار إليها بقول الشيخ خليل: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين" اهـ، وأما الوجه والكفان فيجوز النظر إليهما من غير عذر، ولو شابة إلا لخوف فتنة أو قصد لذة، فيحرم حينئذ النظر لهما، وهل يجب على المرأة حينئذ سترهما ؟ وهو الذي عليه ابن مرزوق والقاضي عبدالوهاب، أو لا يجب عليها سترهما وإنما يجب على الأجنبي غض بصره، وهو مقتضي ما نقله (ق) [رمز المواق] عن عياض، أو يفرق بين الجميلة وغيرها فالجميلة يجب عليها سترهما وغيرها يستحب لها، وهذا هو الذي عليه الشيخ زروق. انظر البناني. فائدة: ففي نوازل سيدي عبدالله بن الحاج إبراهيم ما نصه: {ولا يجوز للرجل أن يواكل من النساء إلا زوجته أو ذات محرمه، إلا المتجالة منهن}).
وسئل القصري في نوازله ج١ ص٢٨٧ (٣٠٨) [١٧] عن الأجنبية هل يجب عليها ستر ما عدا الوجه والكفين من جسدها عن الصبي أم لا ؟ فقال: (قال مخ [رمز الخرشي] في كبيره: "إن المراهق حكمه حكم البالغ في وجوب الستر، والصحيح من القولين أن غير المراهق يرى من الأجنبية غير الوجه والكفين، وظاهره يشمل ما بين السرة والركبة" اهـ، المراد منه وبعضه بالمعنى، انظره عند قول الشيخ خليل "وجاز غسل امرأة ابن كسبع" اهـ، والله تعالى أعلم).
٩٢ - أحمد الصاوي (ت١٢٤١هـ)
قال أحمد الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير للدردير المسماة بلغة السالك لأقرب المسالك ج١ ص٢٨٩: (قوله: "مع رجل أجنبي" أي مسلم سواء كان حرا أو عبدا ولو كان ملكها ما لم يكن وخشا، وإلا فكمحرمها، ومثل عبدها في التفصيل مجبوب زوجها، قوله: "غير الوجه والكفين إلخ" أي: فيجوز النظر لهما لا فرق بين ظاهرهما وباطنهما بغير قصد لذة ولا وجدانها، وإلا حرم، وهل يجب عليها حينئذ ستر وجهها ويديها ؟ وهو الذي لابن مرزوق قائلا: "إنه مشهور المذهب" أو لا يجب عليها ذلك، وإنما على الرجل غض بصره ؟ وهو مقتضى نقل المواق عن عياض، وفصّل زروق في شرح الوغليسية بين الجميلة فيجب وغيرها فيستحب اهـ من حاشية الأصل [يقصد حاشية الدسوقي]، فإذا علمت ذلك فقول الشارح: "وإن وجب عليها سترهما إلخ" مرور على كلام ابن مرزوق، قوله: "لرجل" أي مع مثله أو محرمه، قوله: "أو أمة" أي مع مطلق شخص، قوله: "مع أجنبي" راجع لخصوص الحرة .. قوله: "ما يراه الرجل من محرمه"، فحينئذ عورة الرجل مع المرأة الأجنبية ما عدا الوجه والأطراف، وعلى هذا فيرى الرجل من المرأة إذا كانت أمة أكثر مما ترى منه لأنها ترى منه الوجه والأطراف فقط، وهو يرى منها ما عدا ما بين السرة والركبة، لأن عورة الأمة مع كل واحد ما بين السرة والركبة كما مر، واعلم أنه لا يلزم من جواز الرؤية جواز الجس، فلذلك يجوز للمرأة أن ترى من الأجنبي الوجه والأطراف، ولا يجوز لها لمس ذلك، وكذلك لا يجوز له وضع يده على وجهها، بخلاف المحرم فإنه كما يجوز النظر للوجه والأطراف يجوز مباشرة ذلك منها بغير لذة، وكما يجوز للمرأة الحرة نظر ما عدا ما بين السرة والركبة من محرمها، يجوز لها مس ذلك، وبالجملة فالمحارم كل ما جاز لهم فيه النظر جاز المس من الجانبين، بخلاف الأجنبي مع الأجنبية، فلا يلزم من جواز النظر المس).
قال أحمد الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير للدردير المسماة بلغة السالك لأقرب المسالك ج٢ ص٧٥: (حاصل المعتمد أنها متى أرادت الستر عن أعين الرجال جاز لها ذلك مطلقا، علمت أو ظنت الفتنة بها أم لا، نعم إذا علمت أو ظنت الفتنة بها وجب كما قال الشارح).
٩٣ - محنض بابه بن اعبيد الديماني (ت١٢٧٧هـ)
قال محنض الديماني في ميسر الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل ج١ ص١١٤: (وهي من حرة "مع أجنبي" مسلم جميع جسدها "غير الوجه والكفين"، قيل: والقدمين، وإن دون لذة، وقال عبدالوهاب: أن من تخشى منها الفتنة يجب عليها ستر الجميع، نقله ح [رمز الحطاب الرعيني] .. وأما الأجنبي فلا يجوز له النظر إلى وجهها للذة، وكذا لغيرها على الأصح إن كانت شابة إلا لخاطب أو طبيب أو شاهد، قال ابن جزي: "يجوز أن يرى من المتجالة الوجه والكفين، ولا يرى ذلك من الشابة إلا لعذر ونحوه" لشس [رمز ابن شاس]. تنبيه: العورة قسمان: عورة النظر وعورة الصلاة، وهما في الرجل والأمة سيان، وأما الحرة فعورة النظر فيها ما ذكره المص [رمز مختصر خليل]، وعورة الصلاة منها غير الوجه والكفين).
٩٤ - حسين إبراهيم المغربي (ت١٢٩٢هـ)
قال حسين إبراهيم المغربي في قرة العين بفتاوى علماء الحرمين ص٣١: (العبد إن كان جميلا فهو كالأجنبي يحرم نظره لسيدته لغير الوجه والكفين ظاهرهما وباطنهما، وإن كان مجبوبا، وإن كان وخشا أي قبيح المنظر: فكالمحرم، يحرم عليه نظر غير الوجه والأطراف، وفي خلوته بها خلاف والمشهور الجواز، ومحل جواز نظر الأطراف والخلوة للوخش وإن كان ملكا لها بلا شرك).
٩٥ - محمد بن أحمد عليش (ت١٢٩٩هـ)
قال محمد عليش في منح الجليل ج١ ص٢٢١ في عورة الصلاة: (وعورة الرجل بالنسبة للرؤية من رجل أو محرم ما بين سرته وركبته، ومن أجنبية: جميع بدنه إلا أطرافه. وعورة الأمة للرؤية من كل راء ما بين سرتها وركبتها، وعورة الحرة للرؤية من امرأة: ما بين سرتها وركبتها، ومن محرمها: ما زاد على أطرافها، ومن أجنبي: ما زاد على وجهها وكفيها. وذكر المصنف العورة الشاملة للمغلظة والمخففة بالنسبة للصلاة والرؤية، فقال: "وهي" أي العورة "من رجل" الشاملة للمغلظة والمخففة بالنسبة للصلاة وللرؤية من مثله أو محرمة "و" من "أمة" بالنسبة للصلاة الشاملة لهما وللرؤية ولو من أجنبي إن كانت الأمة قِنا بل "وإن" كانت "بشائبة" من حرية كأم ولد "و" من "حرة" بالنسبة للرؤية "مع امرأة" حرة أو أمة مسلمة أو كافرة ما "بين سرة وركبة" راجع للرجل والأمة والحرة، وإن خيف من رؤية ما زاد على ما بين السرة والركبة من أمة فتنة حرمت رؤيته لخوف الفتنة لا لأنه عورة، وكذا وجه الحرة وكفاها، والعورة نظرها محرم ولو لم تخش فتنة شب يحرم على الحرة تمكين الكافرة من نظر شيء من بدنها لئلا تصفها لكافر. "و" هي من حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم جميع جسدها "غير الوجه والكفين" ظهرا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة، فإن خيفت الفتنة به ؟ فقال ابن مرزوق: "مشهور المذهب وجوب سترهما"، وقال عياض: "لا يجب سترهما ويجب عليه غض بصره"، وقال زروق: "يجب الستر على الجميلة ويستحب لغيرها"، ولا يجوز للأجنبي لمس وجه الأجنبية ولا كفيها، فلا يجوز لهما وضع كفه على كفها بلا حائل، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "ما بايع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة بصفحة اليد قط إنما كانت مبايعته صلى الله عليه وسلم النساء بالكلام"، وفي رواية: "ما مست يده يد امرأة وإنما كان يبايعهن بالكلام"، وأما الأجنبي الكافر فجميع جسدها حتى وجهها وكفيها عورة بالنسبة له فمن الضلال المبين تساهل النساء لليهودي والبدوي .. "و" هي من حرة "مع" رجل "محرم" بفتح الميم والراء وسكون الحاء المهملة أي يحرم عليه نكاحها بنسب أو رضاع أو صهر جميع جسدها "غير الوجه والأطراف" من عنق ورأس وذراع وقدم لا ظهر وصدر وثدي وساق، ويجوز لمسه وجهها وأطرافها إن لم يخش اللذة، "وترى" أي المرأة الأجنبية حرة أو أمة "من" الرجل "الأجنبي" ومفعول ترى "ما يراه" أي الرجل "من" المرأة "محرمه" أي الوجه والأطراف. "و" ترى المرأة المحرم "من" الرجل "المحرم" لها بنسب أو رضاع أو صهر "كـ" رؤية "رجل مع" رجل "مثله" أي ما عدا ما بين السرة والركبة، ويجوز لها لمسه، فيجوز لهما وضع كفه على كفها بلا حائل، وفي الصحيح كان صلى الله عليه وسلم يقبل ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قبل أمه بين عينيها دخل الجنة"، "ولا تُطلب" .. "أمة" .. "بتغطية رأس" .. وعلى هذا فتغطيته في الصلاة إما مكروهة أو خلاف الأولى .. نعم، حيث كثر الفساد كما في هذا الزمان فلا ينبغي الكشف لا في الصلاة ولا في غيرها، بل ينبغي سترها بوجه يميزها عن الحرة).
وقال محمد عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل ج٢ ص٣٠١: ("و" حرم على المرأة "ستر وجه" بأي سائر محيط إحاطة خاصة .. "إلا لـ" قصد "ستر" لوجهها عن أعين الرجال فلا يحرم عليها ولو التصق الساتر بوجهها، وإن علمت أو ظنت الافتتان بكشف وجهها وجب عليها ستره لصيرورته عورة حينئذ، فلا يقال: كيف تترك الواجب وهو كشف وجهها وتفعل المحرم وهو ستره لأجل أمر لا يطلب منها، إذ وجهها ليس عورة، على أنها متى قصدت الستر عن الرجال فلا يحرم ولا يجب الكشف كما يفيد الاستثناء، ونصها ووسع لها مالك رضي الله عنه أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن لم ترد سترا فلا تسدل اهـ، فلا يرد السؤال أصلا).
وقال محمد عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل ج٣ ص٢٥٥: (وندب لمريد تزوج امرأة "نظر وجهها" ليعلم هل هي جميلة أم لا، "و" نظر "كفيها" ليعلم هل بدنها مخصب أو لا، ظاهرهما وباطنهما إلى كوعيها بلا قصد تلذذ إن لم يعلم عدم إجابتها إن كانت رشيدة ووليها إن لم تكن رشيدة، وإلا حرم إن خشي فتنة، وإلا كره، وإن جاز نظر وجه الأجنبية وكفيها مع الأمن وعدم قصد التلذذ لأن فعل هذا مظنة التلذذ "فقط" أي لا غير الوجه والكفين فيحرم نظره لأنه عورة، هذا هو المراد لا نفي الندب الصادق بالجواز. ومحل الندب إن كان نظر وجهها وكفيها "بعلم" منها إن كانت رشيدة وإلا فمن وليها وإلا كره لئلا يتطرق الفساق لنظر وجوه النساء وكفوفهن ويقولوا: نحن خطاب، وأشعر قوله "نظر" أنه لا يجوز له مسهما وإن لم يكونا عورة، وهو كذلك، لما في المس من زيادة المباشرة، وأنه لا يندب لها نظر وجهه وكفيه، الحط: لا نص فيه عندنا، والظاهر ندبه لأن لها حقا في جماله وفاقا للشافعية).
وقال محمد عليش في منح الجليل ج٧ ص٤٣٦: (الثاني عشر: سئل الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عن المرأة العزبة الكبيرة تلجأ إلى الرجل فيقوم لها بحوائجها ويناولها الحاجة هل ترى له ذلك حسنا ؟ قال: "لا بأس به، وليدخل معه غيره أحب إلي، ولو تركها الناس لضاعت" [قال] ابن رشد، هذا على ما قال إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما يظهر من زينتها لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" النور وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل، فجائز للرجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة، فإن اضطر إلى الدخول عليها أدخل غيره معه ليبعد سوء الظن عن نفسه، فقد ورد أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرا عليه ليلا ومعه صفية زوجته رضي الله تعالى عنها فسلما عليه وانطلقا، فقال لهما: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي"، فقالا: "سبحان الله يا رسول الله"، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في قلوبكما فتهلكا").
٩٦ - المجلسي الشنقيطي (ت١٣٠٢هـ)
قال المجلسي الشنقيطي في لوامع الدرر ج٢ ص٩: ("ومع أجنبي غير الوجه والكفين"، يعني أن عورة الحرة بالنسبة لرؤية الأجنبي هي جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، حتى دلائلها وقصتها، وأما الوجه والكفان ظاهرهما وباطنهما فله رؤيتهما مكشوفين ولو شابة بلا عذر من شهادة أو طب، ومحل جواز رؤية الوجه والكفين إن لم يخش فتنة ولا قصد لذة، وإلا حرم النظر لذلك، قاله الشيخ عبدالباقي، ويجب عليها حينئذ ستر وجهها على المشهور، وقيل لا يجب عليها، وعلى الرجل غض بصره، وقيل إن كانت جميلة وجب وإلا استحب، انظر حاشية الشيخ بناني، واعلم أنه لا يجوز السفر مع العرب الذين لا يحجبون حريمهم حيث لا يمكن التحفظ من النظر المحرم، ولم تدع ضرورة إلى السفر معهم، فإن دعت إليه ضرورة خوف الهلاك على نفسه أو ما يجحف به من ماله جاز السفر معهم، ويؤمر بالتحفظ جهده، ولا يجوز له أن ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه من نسائهن، وإن كان لا غرض له فيهن ولا يميل طبعه إليهن، ولا يجوز له أن يؤاكل النساء إلا زوجته أو ذات محرم إلا المتجالة منهن، على هذا يُحمل ما وقع في الرواية عن مالك رضي الله عنه، وأما رفع الأحمال مع النساء فإن دعت إليه ضرورة شديدة جاز، وإلا فلا، وبالله التوفيق، انتهى من نوازل ابن هلال، وقوله: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين" في كلام بعضهم ما يدل على أنه إنما يباح النظر لوجه المتجالة دون الشابة إلا لعذر، وقوله: "ومع أجنبي" معطوف على قوله: "مع امرأة").
وقال المجلسي الشنقيطي في لوامع الدرر ج٤ ص٥٩٧: (اعلم أنه يجب عليها الستر المذكور إن علمت أو ظنت أنه يخشى من عدم الستر الفتنة، وإلا جاز، فمتى أرادت الستر عن الرجال فلها ذلك إلا أن تعلم أو تظن أنه يخشى منها الفتنة، أو ينظر لها بقصد لذة، فيجب عليها الستر .. قاله محمد بن الحسن بناني والله سبحانه أعلم).
٩٧ - محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني الشنقيطي (ت١٣٢٥هـ)
قال محمد الأمين بن أحمد زيدان الشنقيطي في شرحه لمختصر خليل ص١٥٦: ("و" عورة حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم ولو عبدها بالنسبة للنظر "غير الوجه والكفين"، فله نظرهما بلا عذر من شهادة أو طلب، إلا لخوف فتنة أو قصدة لذة فيحرم، وهل يجب عليها حينئذ سترهما أو لا يجب ؟ أو يفصل بين الجميلة فيجب عليها وغيرها فيستحب ؟).
٩٨ - محمد بن المدني كنّون (ت١٣٣٣هـ)
قال محمد بن المدني كنون في حاشيته على شرح الزرقاني (مطبوعة مع حاشية الرهوني) ج١ ص٣٤٣:("ومع أجنبي إلخ" قول ز [الزرقاني]: "فله رؤيتهما ولو بلا عذر إلخ" هذا هو ظاهر الموطأ، وكلام ابن محرز يفيد أنه متفق عليه، وظاهر الرسالة أنه لا يجوز إلا لعذر).
٩٩ - صالح عبدالسميع الآبي (ت١٣٣٥هـ)
قال الآبي في جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ج١ ص٤١: ("و" هي من حرة "مع" رجل "أجنبي" مسلم: جميع جسدها "غير الوجه والكفين" ظهرا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة، فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة، فإن خيفت الفتنة فقال ابن مرزوق: "مشهور المذهب وجوب سترهما"، وقال عياض: "لا يجب سترهما ويجب غض البصر عن الرؤية"، وأما الأجنبي الكافر فجميع جسدها حتى وجهها وكفيها عورة بالنسبة له).
وقال الآبي في جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ج١ ص١٨٨ عن الحج: (حرم على المرأة ستر وجه بأي ساتر إلا لقصد ستر من أعين الرجال فلا يحرم، ولو التصق الساتر بوجهها، وحينئذ يجب عليها الستر إن علمت أو ظنت الافتتان بكشف وجهها لصيرورته عورة، فلا يقال كيف تترك الواجب وهو كشف وجهها وتفعل المحرم وهو ستره لأجل أمر لا يطلب منها إذ وجهها ليس عورة وقد علمت الجواب بأنه صار عورة بعلم أو ظن الافتتان بكشفه).
وقال الآبي في الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص٢٦٩ (ص٢٢٥ ط ) في حكم المرأة التي تموت في سفر وليس لها محرم: ("والمرأة" المسلمة "تموت في السفر لا نساء" مسلمات "معها ولا محرم" لها "من الرجال"، وإنما معها رجال أجانب، "فلييمم رجل" منهم "وجهها وكفيها" إلى الكوعين فقط، لأنهما ليسا بعورة فيباح له النظر إليهما بغير شهوة، قال الزرقاني: "وإنما جاز مسها للأجنبي دون الحياة لندور اللذة هنا").
وقال الآبي في الثمر الداني ص٦٦٠: ("ومن الفرائض غض البصر" .. "عن النظر إلى جميع المحارم" أي المحرمات، كالنظر للأجنبية والأمرد على وجه التلذذ .. "وليس في النظرة الأولى" إلى المحارم "بغير تعمد" أي قصد "حرج" أي إثم، "ولا" حرج "في النظر إلى المتجالة" أي التي لا أرب فيها للرجال، "ولا" حرج "في النظر إلى الشابة" وتأمل صفتها "لعذر من شهادة عليها" في نكاح أو بيع، ومثل الشاهد الطبيب والجرائحي وإليه أشار بقوله: "أو شبهه" أي شبه العذر من شهادة).
وقال الآبي في الثمر الداني ص٦٨٩: ("ولا بأس أن يراها" بمعنى: يجوز للرجل أن يرى ما ليست بذي محرم منه "لـ" أجل "عذر من شهادة عليها أو" لها و "نحو ذلك" كنظر الطبيب "أو إذا خطبها" لنفسه وهذا في غير المتجالة، "وأما المتجالة" وهي التي لا أرب للرجال فيها "فله أن يرى وجهها على كل حال" لعذر وغيره).
١٠٠ - عبدالمجيد الشرنوبي (ت١٣٤٩هـ)
قال عبدالمجيد الشرنوبي في حاشيته على المقدمة العزية للشاذلي ص٤٢ تعليقا على قول الشاذلي: "وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين"، قال: (والمراد بالكفين اليدان ظاهرهما وباطنهما لا مجرد الراحتين، بشرط أن يكون النظر بغير شهوة، وإلا حرم).
١٠١ - الجعلي (ت١٣٦٤هـ)
قال الجعلي في سراج السالك شرح أسهل المسالك ص١١٩: (وعورة المرأة الحرة في الصلاة أو مع أجنبي جميع بدنها إلا وجهها وكفيها وباطن قدميها).
١٠٢ - محمد بن يوسف الكافي (ت١٣٨٠هـ)
قال محمد بن يوسف الكافي في النور المبين ص٥٦: (وعورة المرأة بالنسبة للنظر فيها تفصيل، فبالنسبة للأجانب: ما عدا الوجه والكفين، وبالنسبة لمحارمها: ما عدا الوجه والأطراف).
١٠٣ - أحمد بن محمد بن الصديق الغماري (ت١٣٨٠هـ)
قال أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في مسالك الدلالة في شرح مسائل الرسالة ص١٧: ("وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة: الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به" لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، وقد سبق قريبا هو وحديث أم سلمة أيضا .. "وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل" أي لا يجب عليها سترهما لأنهما كالوجه ليستا بعورة، لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم: "الوجه والكفان"، ورواه البيهقي عنهما، ولحديث ابن عمر في الحج، وفيه: "ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين"، رواه البخاري، فلو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما).
وقال أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في مسالك الدلالة في شرح مسائل الرسالة ص٣٢٥: ("ومن الفرائض غض البصر عن المحارم" .. "وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج" لحديث جرير .. "ولا في النظر إلى المتجالة" .. "ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه" للحاجة الماسة إلى ذلك، ولأنه إذا أبيح للخاطب النظر مع إمكانية نيابة المرأة عنه ؛ فلأن يباح للشاهد والجراح والطبيب والبائع أولى).
١٠٤ - أبو بكر الكشناوي (ت١٣٩٧هـ)
قال أبو بكر الكشناوي في أسهل المدارك شرح إرشاد السالك لابن عسكر ج١ ص١٨٤: (فصل في ستر العورة في الصلاة وخارجها. قال المصنف رحمه الله تعالى: "والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها" يعني: أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها ستر جميع بدنها لأنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، لقوله تعالى: "ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ" النور الآية، أي: لا يكشفن أبدانهن إلا عند أزواجهن أو أقربائهن ومن ذكر معهم في الآية الكريمة، قال ابن جزي في القوانين الفقهية: "وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل"، ثم قال: "حكم المرأة في النظر إلى المرأة كحكم الرجل في النظر إلى الرجل، فيمنع النظر إلى العورة، ويجوز ما عدا ذلك، وحكم المرأة في النظر إلى ذوي محارمها كحكم الرجل في النظر إلى الرجل، وحكمها في النظر إلى الأجنبي كحكم الرجل مع ذوات محارمه، وهو النظر إلى الوجه والكفين فقط على الأصح وقيل كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية" اهـ، وفي العزية: "وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين" اهـ، وفي الأخضري: "والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين" انتهى).
١٠٥ - أحمد الطاهري الإدريسي (ت١٣٩٩هـ)
قال أحمد الطاهر الإدريسي في فتوحات الإله المالك ج٢ ص١٠٢: (اجتزأ من المرأة المحرمة بالحج أو العمرة "بالوجه" جميعه، ويحرم عليها ستره أو بعضه إلا لستر عن أعين الناس، فلا يحرم، بل يجب إن ظنت الفتنة بها، "والكفين" أي اليدين إلى الكوعين "منها" أي من المرأة المحرمة "تكشف" لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، ومعناه أن المطلوب في وجهها وكفيها الكشف، ويحرم سترهما إلا أن تريد الستر عن أعين الناس، فتستر بلا غرز ولا ربط).
ملحق: من لهم كلمات موجزة ليس فيها إشارة واضحة (٥)
ومنهم: أبو إسحاق التلمساني (ت٦٩٩هـ) وابن معلى القيسى (ت٧٣٠هـ) والأخضري (ت٩٥٣هـ) وأحمد بن تركي (ت٩٧٩هـ) وابن عاشر (ت١٠٤٠هـ)
١٠٦ - أبو إسحاق التلمساني (ت٦٩٩هـ)
قال التلمساني في اللمع ص٢٠١: (وأما المرأة فإحرامها في وجهها وكفيها، ويمنعها إحرامها من ثمانية أشياء: تغطية وجهها بنقاب أو برقع .. إلخ).
١٠٧ - ابن معلى القيسي (ت٧٣٠هـ)
قال ابن معلى القيسي في غنية الناسك ص٣٤٤: (وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فإن غطت بعد ذلك فانتفعت بتدفئته فعليها الفدية، وكذلك إن لبست القفازين، ولها لبس الخفين والمخيط كله، وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل، ولو سترت وجهها بثوب مسدل من فوق رأسها من غير ربط ولا إبرة ونحوها جاز).
١٠٨ - عبدالرحمن الأخضري (ت٩٥٣هـ أو ٩٨٣هـ)
قال الأخضري في متنه ص١١: (فصل في شروط الصلاة. وشروط الصلاة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث من البدن والثوب والمكان، وستر العورة، واستقبال القبلة، وترك الكلام، وترك الأفعال الكثيرة، وعورة الرجل ما بين السرة والركبة، والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين).
١٠٩ - أحمد بن تركي المالكي (ت٩٧٩هـ)
قال أحمد بن تركي المالكي في الجواهر الزكية ص١٢ (مخطوط – الترقيم اليدوي) في عورة الصلاة: (وستر العورة، أي: مع الذكر والقدرة، وعورة الأمة والرجل: ما بين السرة والركبة، ولا يدخلان، وعورة الحرة جميع جسدها إلا الوجه والكفين، ظاهرهما وباطنهما، فإن رأى عورة إمامه أو عورة نفسه وهو في الصلاة بطلت على الأشهر).
وقال أحمد بن تركي المالكي في الجواهر الزكية ص٥٥ (مخطوط – الترقيم اليدوي): (وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، وتغطي رأسها بلا غرز ولا خياطة، وتسبل شيئا على وجهها للستر).
١١٠ - عبدالواحد بن عاشر (ت١٠٤٠هـ)
قال عبدالواحد بن عاشر في متنه: (وما عدا وجه وكف الحرة / يجب ستره كما في العورة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق